ظلت مهمة الجيوش الدائمة هي حماية البلاد والحدود والمحافظة على حقوق الشعوب ، ولكن فى جيوش البلاد العربية، ولا سيما الجيش المصري الذي يعد أقدم الجيوش العربية في المنطقة وأكثرها عددا وعدة، سنجد اختلافا في مهام الجيش، وخلال هذا التقرير سنتعرف على كيفية تأسيس الجيش المصري و عقيدته العسكرية، وهل هو في خدمة الشعب أم خدمة النظام، وما مدى تأثير النفوذ الأجنبي عليه.

تأسيس الجيش المصري:

محمد علي والي مصر خلال الحكم العثماني

يعد محمد على هو مؤسس الجيش المصري الحديث، على الرغم من أنه لم يكن مصريا وإنما كان ألبانيا، فحينما عاد نابليون بونابرت إلى بلاده مهزوما عقب الحملة الفرنسية، بعث بطلب إلى القنصل في مصر أن يبحث له عن رجل تعتمد عليه فرنسا، فوقع الاختيار على محمد علي، حيث أوصى به القنصل إلى السفير الفرنسي في الاستانة، والتي كانت مقر الخلافة العثمانية فى ذلك الوقت، ثم تولى محمد علي حكم مصر، واستلهم النموذج الفرنسي وفعل فى مصر نفس ما فعله نابليون، لا فرق بينهما.
استلم محمد علي قيادة الجيش والذي كان عثمانيا في الأصل يتكون من الألبان والأرناؤوط، فأراد أن يصنع جيشا لنفسه على النمط الحديث فجند السودانيين، فكان جنوده يهجمون على البلدات السودانية فينتزعون الناس كأنها غارة على بلادهم، حتى انتزعوا 20 ألف سوداني، وباعوا النساء والأطفال والعجائز، وأخذوا من يصلح للقتال، فصاروا يموتون من الأوبئة أو من عدم تحمل قسوة المعاملة، ولم يتبق إلا 3 آلاف منهم، حتى رأى محمد علي أنه يدفع المبالغ الطائلة دون فائدة فكف عن تجنيد السودانيين.
لم يفكر محمد علي في بادئ الأمر في تجنيد المصريين لأنه كان يرى أنهم يتحملون العمل في الزراعة ولم يرد أن يقلل من القدرة الإنتاجية، لكن عندما فشل في تجنيد السودانيين، صار يجند المصريين، فتم جمعهم بوحشية وتم التعامل معهم داخل المعسكرات أيضا بنفس هذا القدر من الوحشية، فالمجند الذي وصل إلى المعسكرات وصار جنديا ضمن جيش محمد علي مر بأهوال عديدة، فصار مستسلما لما قد يلقى عليه.
قوات محمد علي في السودان

اتجه محمد على منذ اللحظة الأولى في تأسيس الجيش المصري إلى تغيير الأفكار وصناعة عقيدة جديدة، خلاصتها أن تكون الطاعة للحاكم وحده ، وساعدت الوحشية التي تم بها جمع  المصريين للتجنيد على ترسيخ ذلك المفهوم في أذهانهم،  ومن هنا بدأت عملية إنتاج الأفكار وزرع عقيدة جديدة، للوصول لجندي كالآلة يطيع وينفذ ما يطلب منه دون تفكير أو تدبير أو مرجعية أخلاقية تمنعه من التنفيذ، حتى يقتنع أن ما حدث له هو مقتضى الضبط والربط والعسكرية  فيتحول فيما بعد إلى مؤمن بهذه الأفكار، فتتحول الجيوش بهذا التصرف إلى الجماعة الوظيفية التي تنفصل عن مجتمعاتها الأصلية فيرى العسكري في نفسه انه أعلى منزلة وأرقى من بقية الناس وقد يقاتل من كان معه، وقد حدث أن جنديا كلف بإخماد تمرد في قرية فقتل أباه، فكافئه محمد على، لأنه الجندي الذي ينفذ ما يؤمر به.
وتكشف الوثائق القديمة أن محمد علي كان يرى المصريين كالبهائم وأنه لا يجوز أن يطبق عليهم القوانين التي تسير في أوروبا، ولكن طموحه هو الذي دفعه لذلك فقد كان يريد أن ينشأ جيشا على غرار جيش نابليون بونابرت.
وهكذا كانت الدولة التي أنشأها محمد علي مهيأة لخدمة الجيش، فأنشأ إحصاءا عاما ليس لمصلحة الناس وإنما لكي يعرف كل قرية كم يجند منها، وأنشأ المستشفيات لكي يعالج الأمراض التي  أصابت الجنود  نتيجة الحروب، وأنشأ الدفاتر  للتسجيل والتوثيق لكي يسيطر على خدمة الجيش، وأنشأ البطاقات الشخصية لكي يكافح التهرب من الجيش، حتى نشأ الجهاز الإداري للدولة والكتاب والإداريين والأطباء، والإعلام والوعاظ لإقناع الناس بفضل الجندية، وهذه القناعة لازالت موجودة حتى عصرنا هذا، فهم يروون أن الدولة خادمة للجيش وليس الجيش خادما للدولة.

التجنيد الإجباري:

استعان محمد علي بجهود ضابط من ضباط الدولة النابليونية الفرنسية، جاء إلى مصر مقدمًا خدماته إلى الوالي؛ الجنرال “سيف” الذي أصبح فيما بعد “سُليمان باشا الفرنساوي”، فقد عهد إليه محمد علي في 1820م أن يكوّن النواة الأولى للجيش الحديث، وخصص له مدرسة لذلك الغرض في أسوان تكون بعيده عن القاهره ليتلافى ما أحدثه الألبان من دسائس ومؤامرات.
لم يكن التجنيد يسير على نظام معين أو ترتيب للأسماء، بل إن القوة الغاشمة هي وحدها التي تلقى بالجنود في أحضان الجيش، فقد استخدم طرقًا بربرية ووحشية في جمع المجندين المصريين، فكانت جنوده تهجم على القرى وتعتقل كل من رأته دون تمييز بين العجائز أو الأصحاء أو المرضى أو ذوي العاهات أو الصبية، وكانت تلك الجموع اليائسة تجمع وتُوضع في أيديهم الأغلال يتبعهم أقاربهم من النساء والأطفال إلى مكان الفرز.
وفي بعض الأحيان كانوا يقبضون على المارّة أو الزوّار لإدخالهم في زمرة المجندين إلى غير ذلك من أعمال الغش والاحتيال والرشوة والانتقام من الخصوم، حتى وصل الأمر أنه قتل 4 آلاف في الصعيد من أجل التجنيد، وفي المنوفية ضربهم بالمدافع من أجل إجبارهم على التجنيد.
وهربا من التجنيد الإجباري، أراد المصريون أن يقوموا بثورات لكنه كان سرعان ما يخمدها، واستخدم طرق كثيرة لإرهابهم فكان يقتل المرأة ويعلقها على باب القرية عارية، أو ينتف ذقن الشيخ العاجز ويقتله ويعلقه حتى يرتدع الباقون، فلجأ بعض المصريين إلى الهروب من بلادهم  هربا من التنجيد وقد لجأ بعضهم لإصابة أنفسهم عن طريقة كسر أسنانهم أو إصابة إحدى عينيهم، أو قطع أصبعهم، ولما اكتشف محمد علي تلك الطرق، أصدر قانون أنه من يفعل ذلك سيتم تجنيد أحد أقاربه بدلا منه وأن كل أم ستساعد أبناءها على ذلك سيتم معاقبتها بالسجن.
شُكلت هيئة عليا أشرفت على تقسيم الجنود إلى 5 (كتائب)، وعلى أنواع التدريبات، ومدى قوتها وجدّتها، وألّفت من محمد علي وابنه إبراهيم ومحمد لاظوغلي “ناظر الجهادية فيما بعد”، وسيف “الضابط الفرنسي”  وطاهر باشا “مدير مديرية جرجا”، فكانت النواة الأولى أربعة آلاف مصري من الفلاحين، لكن بعد عام واحد فقط اجتاحت موجات التجنيد البلاد، وبعد أقل من عام كان 30 ألفًا من الفلاحين يتدربون بالفعل في المعسكر الجديد الذي أُقيم في “بني عدي” القريبة من منفلوط في مصر الوسطى،  ومنذ ذلك التاريخ 1822م أصبح التجنيد في مصر تجنيدًا إجباريًا.

وظيفة عسكر مصر:

منذ تأسيس الجيش المصري، أوكل إليه الحفاظ على الأمن الداخلي فقط وقمع الشعب، أما حماية الحدود فليست من اختصاص العسكر وإنما كانت دائما وظيفة الغرب، فقد نصت “اتفاقية لندن” في عهد محمد علي عام 1841 ، على أن يكون الإنجليز هم المسؤلون عن الحدود وأن يكون دور الجيش حفظ الأمن الداخلي، وبعدها كانت اتفاقية النحاس مع الإنجليز عام 1936، ونصت أيضا على أن يدافع الجيش الإنجليزي عن مصر.
كذلك كانت “اتفاقية الجلاء” هي الأخرى في عام 1954، في عهد جمال عبد الناصر تنص على أن الجيش الإنجليزي هو الذي يدافع عن مصر إذا تعرضت لهجوم خارجي، وأن يسمح للجنود البريطانيين الدخول من المطارات المصرية أو عن طريق البحر دون أي عوائق.
وفي خطاب سابق لعبد الناصر، كشف بلسانه أن الحدود تحميها أمريكا، حيث قال “أنا لا أفكر أبدا في مهاجمة إسرائيل لأن الرئيس الأمريكي تعهد بحماية الحدود، وأي عمل هجومي على إسرائيل سيعرضنا لمخاطر كبيرة، أولها هجوم أمريكا علينا، وإذا حدث عدوان على إسرائيل ستنفذ تهديدها”.
أما في عهد أنور السادات، كانت الحدود المصرية أيضا في يد الجيش الأمريكي، وكان دائما ما يصرح السادات قائلا: “99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا”، وفي عهد عبد الفتاح السيسي، كان للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، تصريحا كشف خلاله أن إبقاء الحدود على ما هي عليه هي مسؤولية أمريكا، حيث قال: “لا تقلقوا من الغزو الخارجي، فامريكا تضمن لكم ألا يحدث هذا، ما يعني أن الجيش الأمريكي هو المسؤول على الإبقاء على الحدود، ودوركم شعوبكم الغاضبة”.
ومن الواضح أن مهمة الجيش المصري قمع الشعب والسيطرة على الغاضبين والعارضين وإسكات أصواتهم، حتى صار قتل المصلين والنساء والشيوخ والأطفال في مصر والعبث بمحتويات البيوت، وتوجيه الإهانات للمصريين، وتدمير المساكن والمزارع والممتلكات، أمنا مصريا بحجة محاربة الإرهاب. 
وذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث صارت وظيفة بعض الجنود صناعة المعكرونة والكعك وبيع اللحوم ومنتجات الألبان والعمل في مؤسسات الجيش الاقتصادية بدلا من صناعة الطائرات والصواريخ، ومنذ سنوات كان كبار الضباط يستعبدون جنودهم ويستخدمونهم في مسح الأحذية وكي الثياب لهم، وشراء الخضار والفاكهة لزوجاتهم، وترفيه أطفالهم، وتقديم الخدمات لهم بهدف كسب رضا القائد.

الجيش والسياسة:

إن الجزء الأكبر من تدخلات الجيش في السياسة يعود إلى فترة حكم جمال عبد الناصر، إذ أنها فتحت المجال واسعا لتدخل الجيش في تركيبة الحياة السياسية في مصر، حتى بات يقال إن الجيش المصري هو مصنع الرؤساء باعتبار أن جميع رؤساء الجمهورية منذ ثورة يوليو هم من أبناء المؤسسة العسكرية.
سمح عبد الناصر لضباط الجيش السابقين، أو الراغبين في التخلي عن موقعهم العسكري، احتلال مواقع عديدة في جهاز الحكم والدولة، من السلك الدبلوماسي، إلى الحكومة والإدارة المحلية، مروراً بمؤسسات الدولة الموازية، بالغة الحيوية، مثل النقل والطيران المدني و التعبئة والإحصاء، ولكن تربع “عبد الحكيم عامر” على مقعد قيادة القوات المسلحة، أعطاه دوراً بالغ الأهمية في عملية الحكم. وبعد سنوات قليلة، لم يعد حتى بإمكان عبد الناصر الإطاحة به، بمعنى أن الجيش أصبح مركز قوة سياسية، وليس فقط مؤسسة ذات دور خاص في منظومة الحكم.
توجه  عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي خلال تلك الفترة للحصول على الأسلحة والخبرات العسكرية، وخاض الجيش المصري خلال هذه الفترة حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وحرب اليمن من 1962 إلى 1967 وحرب يونيو 1967 التي أدت إلى خسارة مصر لسيناء ووصول القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية من قناة السويس.
 وفي أعقاب حرب أكتوبر 1973 جاءت مرحلة السلام وتوقيع معاهدة كامب ديفد عام 1979 التي وضعت شروطا بحق تعداد وتطور ونوعية الأسلحة التي يحق للجيش المصري الحصول عليها، ومناطق انتشاره في سيناء مقابل تسوية سلمية مع إسرائيل.
ولعل أهم ما يميز هذه المرحلة ، أنه مع توقيع اتفاقية السلام، بدأت الإرهاصات الواضحة لمزيد من التراجع في العقيدة القتالية للجيش ولإعادة صياغة دوره من جديد من دولة مواجهة ولو محدودة إلى جيش لدولة انهت حروبها مع إسرائيل وأصبحت تؤمن وجوده وحدوده بشكل صريح  وزادت وطأة الجيش على الصعيد الداخلي.
وشهد الجيش المصري أول تجربة له على الصعيد الداخلي عندما تم الزج به في الشوارع لقمع وإخماد ما عرف باسم “تمرد قوات الأمن المركزي” عام 1986 والتي أسفرت مواجهتها عن مقتل وإصابة واعتقال المئات غالبيتهم من قوات الأمن.

السيسي ودولة الاحتلال الإسرائيلي:

وعلى الرغم من أن السادات دشن مرحلة السلام البارد مع إسرائيل المحتلة، بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، إلا أن السيسي تخطى هذه المرحلة وأصبح يعتبر إسرائيل صديقا حميما وحليفا عسكريا، لا سيما وقد تحولت مؤسسة الجيش في عهده من كونها مؤسسة حربية إلى مؤسسة مهتمة بإدارة المشروعات المدنية والاقتصادية، وبالتالي أصبح قادة الجيش يستبعدون من أذهانهم تماما فكرة الحرب أو اعتبار إسرائيل عدوا يجب الاستعداد لمواجهته.

وأطلق السيسي تصريحات، في أكثر من مناسبة، آخرها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة  في سبتمبر 2017، حول ضرورة إحلال ما سماه “السلام الدافئ“، محاولاً توسيع دائرة التطبيع بين الكيان الصهيوني ودول المنطقة العربية.

ووصل الأمر إلى أخطر من ذلك خاصة بعد الإعلان عن إقامة تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وإسرائيل لأول مرة، والتي تزامنت مع الذكرى الرابعة والأربعين لحرب أكتوبر 1973، ما اعتبره مراقبون تهديدا واضحا للأمن القومي للبلاد.

صورة خبر من موقع اسرائيل اليوم عن قيام تدريبات بين مصر واسرائيل واليونان وقبرص

ويرى مراقبون أن انخراط الجيش المصري و تورطه بشكل كامل في الحرب ضد الإرهاب المزعوم، كان الحجة التي يسوقها قادة الجيش للتدليل على أن مصر وإسرائيل المحتلة يقفان في جهة واحدة، وهو ما أدى للتعاون بينهما في مجالات السياسة والأمن بدعوى مواجهة  الإرهاب.
وكشفت مصادر عسكرية، عن وجود حالة من الارتباك داخل صفوف الجيش حول هذا الموقف المصري، وتحديداً العسكري،  خصوصاً في ظل التعاون والتنسيق الكبير مع كيان الاحتلال، مضيفة أن تساؤلات بدأت تخرج من ضباط لقياداتهم العليا حول تفسير التقارب المصري مع إسرائيل، و جاءت الردود في إطار أن هذه علاقات سياسية ليس للجيش أي علاقة بها.في المقابل، تؤكد مصادر عسكرية أخرى، أن التعاون مع إسرائيل لا يتعلق إلا بسيناء فقط، من خلال التبادل المعلوماتي، وإنْ كان بشكل بسيط من جانب إسرائيل، مشيرة إلى أن الجيش المصري يسمح بوجود طائرات من دون طيار إسرائيلية للقيام بعمليات رصد لتحركات المسلحين وقصف أهدافهم، مضيفاً أن هذا التنسيق ليس للضباط والأفراد شأن فيه، بل يتعلق بقرارات القيادات العليا في الجيش المصري.