ركزت كتب التاريخ على إبراز دور الحملة الفرنسية، وفردت الصفحات لسرد إنجازات الاحتلال الفرنسي، الاحتلال المتحضر الذي نقل لنا العلم والتمدن ولم تذكر ماذا فعل الاحتلال بالنساء والرجال وكيف داست خيوله جثث المصريين في المسجد الأزهر، وقام المؤرخون بالحديث عن “كليبر” فهو صاحب المعارك البطولية على ضفاف أنهار النيل والراين والأردن، وكتبت عنه كل الأقلام، وأشاد به الجميع مؤرخون وشعراء ومصورون وهو الذي قتل من الرجال والنساء والأطفال.

أما سليمان الحلبي، لم يهتم أحد بتاريخه فصوروه أنه شاب متعصب، صاحب هلاوس دينية، قُتل كليبر ابن حضارة العدل والإخاء والمساواة الذي جاء لينشر العلم والعمران في وطننا، ولكن يجمع المؤرخون على أن مقتل كليبر هو الذي عجّل بإنهاء الحملة الفرنسية على مصر، أي أن فكرة أن موت رأس النظام سيضعف الأحتلال، فهذا البطل قد فعل بشكل فردي ما يعجز جيش كامل عن فعله، ورحل الاحتلال الفرنسي عن مصر عام 1801م.

جان بابتيست كليبر

هل سمعتم باسم هذا البطل المسلم من قبل؟ إنه الشاب المجاهد ابن الـ 24 عامًا “سليمان الحلبي” الذي قتل قائد الحملة الفرنسية على مصر “جان بابتيست كليبر”.

ففي الثاني من يونيو 1798م تمكنت الحملة الفرنسية بقيادة “نابليون بونابرت” من السيطرة على أرض الكنانة مصر، واستمر في قيادة الحملة حتى رحيله في 22 أغسطس 1799، وتسلّم من بعده أحد القادة المقربين منه الجنرال “جان بابتيست كليبر”.

ويذكر التاريخ أن الفرنسيين أسرفوا في إهانة سكان القاهرة، فاعتقلوا الكثير ونصبت المشانق في الميادين، وتزايدت أساليب القمع، واشتد الضغط على الناس، حتى ذكر المؤرخون أنه قلما توجد في تاريخ الثورات فجائع تشبه ما عانته القاهرة بعد إخماد ثورتها، من قتل وتنكيل وتجويع، حيث منع المحتل الفرنسي الطعام عن سكان القاهرة.

فما أشبه اليوم بالأمس، ما أشبه ما يعانيه شباب ثورة 25 يناير من قتل وسجن وتشريد من أهل بلدهم، مقارنة بما عاناه أجدادهم من المحتل الفرنسي.

نعود إلى بطلنا، من هو سليمان الحلبي؟

سليمان الحلبي

تعود أصول هذا القائد إلى سورية فهو من مواليد مدينة حلب عام 1777. بدأ دراسته الأكاديمية في مصر وتحديدا في الأزهر، عمل والده الذي يدعى “محمد أمين” في تجارة السمن و وزيت الزيتون وكانت كنيته “ونس” أما الحلبي فهو لقب أعطي لهذه العائلة إشارة إلى أصولهم.

قدم من سوريا وعمره 24 عامًا، جاء من حلب إلى القدس، ليدرس بالأزهر الشريف ويحفظ القرآن على يد الشيخ أحمد الشرقاوي، كان للأزهر الشريف في ذلك الوقت دور بارز في إذكاء روح الثورة وقيادة المقاومة الشعبية، ولم يكن منبراً من منابر الحكام يشرّع مجازرهم ويبرر طغيانهم.

وكان سليمان محبا للشيخ أحمد الشرقاوي قائد انتفاضة “القاهرة” الأولى ضد الغزاة في أكتوبر 1798م والتي انتهت بدخول الخيالة الفرنسيين إلى الأزهر وتدمير محتوياته ومن ثم اعتقال الشيخ الشرقاوي وقطع رأسه، بعد أن تعمدوا في إهانة سكان القاهرة، فاعتقلوا الكثير ونصبت المشانق في الميادين، وتزايدت أساليب القمع، واشتد الضغط على الناس، حتى يمنعوا الثورات والانتفاضات ضد حكمهم، حتى ذكر المؤرخون أنه قلما توجد في تاريخ الثورات فجائع تشبه ما عانته القاهرة بعد إخماد ثورتها، من قتل وتنكيل وتجويع، حيث منع المحتل الفرنسي الطعام عن سكان القاهرة.

وهكذا ولدت من بين جدران الأزهر فكرة الانتقام من الاحتلال في شخص قائد الحملة كليبر، فقد كان لا بد من عمل  يهزّ الحملة الفرنسية ويجعلها تشعر أن المقاومة لم تمت، رغم قتل معظم قادتها، وأن الشعب المصري لم يستسلم.

كان سليمان يعيش في جوار الأزهر الشريف، قيل إنه كان قليل الكلام، لا يعرف أحد ما يدور في رأسه، لا يختلط بأحد، لكن عندما تحوّلت القاهرة إلى متاريس، وأخذ جنود كليبر يعيثون قتلًا وفسادًا، شعر ذلك الشاب بالقهر والرغبة بالدفاع عن أهله والثأر لعذاباتهم، وجاءت فكرة الاغتيال، فالشاب الهادئ صرخ في داخله بأنه لم يعد يقوى على تحمّل هذا الوضع، فقرر أن ينتقم، ولم يفكر كثيرًا بما سيلقاه بعد ذلك.

وفي 14 يونيو 1800م، كان كليبر ذاهب بصحبة المهندس المعماري “بروتان” لتناول الغداء مع مجموعة من القادة وأعضاء المجمع العلمي. وبينما كان كليبر وبروتان يسيران في الحديقة خرج عليهما رجل اقترب من كليبر مستجديا شيئا، فلم يخال كليبر ارتياب من نوايا الرجل فمد إليه يده، فطعنه سليمان الحلبي طعنة في قلبه، وأسرع بروتان للإمساك به فكان نصيب المعماري ست طعنات سقط بها على الأرض، وعاد الحلبي إلى كليبر مرة أخرى وطعنه ثلاث طعنات للتأكد من قتله .

عثر الجنود بعد ساعة واحدة من الاغتيال على الحلبي مختبئا خلف جدار في حديقة مجاورة، وأدركه اثنان من حرس مقر القيادة وعثرا على الخنجر الذي طعن به كليبر وبروتان مدفونا في المكان وعليه أثر دماء.

أمر الفرنسيون حينها بتشكيل محكمة عليا مكوّنة من قيادات الجيش الفرنسي، وفي أثناء المحاكمة قال الشاب سليمان: “جئت إلى مصر لأجاهد في سبيل الله، ثم صمت. فأصدرت المحكمة حكمًها عليه الذي نص على: “حرق يده اليمنى، وبعد ذلك “يتخوزق”، ويبقى على الخازوق حتى تفترس جثته الجوارح.

وبالفعل، وفي يوم الأربعاء 17 يونيو 1800 بدأ تنفيذ الحكم بعد دفن جثة كليبر، وقد تم الإعدام بإحراق يد سليمان الحلبي اليمنى التي أمسكت بالخنجر الذي أودى بحياة كليبر، ثم إعدم عقب ذلك بالخازوق.

يجمع المؤرخون على أن مقتل كليبر هو الذي عجّل بإنهاء الحملة الفرنسية على مصر، وبذلك فإن هذا البطل قد فعل بشكل فردي ما يعجز جيش كامل عن فعله، وعند رحيل الاحتلال الفرنسي عن مصر عام 1801م، تم نقل رفات سليمان الحلبي في صندوق إلى فرنسا، وجمجمته معروضة اليوم في متحف الإنسان في قصر “شايو” في باريس إلى جانب جمجمة “ديكارت” فيلسوف فرنسا الأكبر، وقد كتب تحت الجمجمة الأولى “جمجمة العبقري ديكارت” وتحت الثانية “جمجمة المجرم سليمان الحلبي”.

إنه الحقد الاستعماري البغيض الذي وصف سليمان الحلبي بالإجرام، ذلك البطل الذي انتفض ليدافع عن أمته ضد الغزاة، والمجرم الحقيقي هو كليبر قائد القوات الفرنسية الغازية التي هدمت ونهبت وقتلت وأشعلت الحرائق في المناطق التي وقعت تحت سيطرتها في مصر.

رحم الله الشهيد البطل سليمان الحلبي، مشعل ثورات السكاكين الأول، ومطلق شرارة تحرير مصر من الغزاة.