ونحن على مشارف العام الثامن من ثورة الشعب المصري المباركة التي انطلقت شرارتها في الخامس والعشرين من شهر يناير كانون الثاني عام 2011 م ومرت بالكثير من الأحداث والمنعطفات على مر كل هذه الأعوام و قدمت ولازالت تقدم الشهداء والمصابين والأسري من جميع فئات الشعب المصري العزيز التي ترفض العيش تحت نيران النظام العسكري الطاغوتي الحاكم لأرض مصر بالقهر والحديد والنار لذا كان ولابد في خضم هذه الأحداث العظام التي يعيشها الشعب المصري وثورته ونحن على أعتاب منعطف جديد للثورة يتميز بالنضوج وارتفاع مستوى الوعي والخبرات نتيجة للتجارب السابقة مع تغير المسارات والفاعلين الرئيسيين في قوى الثورة وأفول قوى وقيادات قديمة من كل الاتجاهات قد بان فشلها وعجزها وأحيانا حمقها وعمالتها مع اشتداد الظروف الضاغطة في داخل مصر اقتصاديا وامنيا واجتماعيا مما يزكي نيران جمر الثورة الشعبية وتغير الظروف الإقليمية والدولية باستمرار واتجاه المنطقة والعالم لتغير كبير في نظام العلاقات الدولية في الإقليم بشكل خاص وفي العالم بشكل عام
كل هذه المعطيات تدفعنا لإعادة تأسيس الوعي الثوري للثوار وللشعب بما يتناسب مع متطلبات وطموحات هذه الفترة الزمنية ونناقش عبر هذه المقال عددا من المفاهيم والأسئلة الرئيسية حول الثورة والتحرك الشعبي و الطبقات المعادية للثورة وكيف نتعامل مع كل ذلك

الثورة

قبل أن نتكلم عن التحرك الشعبي وتفاصيله لابد لنا أولا أن نتعرف ما هي كلمة ثورة شعبية استنادا على استقراء المفكرين والعلماء عبر دراسة انتفاضات وتحركات الشعوب منذ عهد ارسطو حتى عصرنا الحالي وتدور معظم التعريفات والتوصيفات على عدة أمور نجملها في النقاط الثلاثة الأتية :

  • أولا: الثورة هي فعل شعبي يتسم بالعنف في معظم مراحله
  • ثانيا: و ينتج عنه أو يهدف إلى تغيير جذري في نظام الحكم
  • ثالثا: ثم يتبعه إعادة بناء وإبدال النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة

تبدو معالم ومعاني الثورة واضحة في هذه الكلمات السابقة وبعضها يحتاج للنقاش حوله مثل مسألة علاقة الثورة بالعمل العنيف أو العمل المسلح وهل توجد ثورة بيضاء كما يقال أي بلا أي عنف وسنأتي لهذه النقطة بالتفصيل في عنوان لاحق

الاسلام والثورة

بعض الناس حتى المسلمين والثوريين منهم يظنون أننا حين نتكلم عن الثورة الشعبية أو انتفاضات الشعوب أننا نتحدث عن شئ بعيد عن الإسلام أو من منطلقات غير اسلامية وهذا بالطبع امر غير صحيح على الإطلاق بل ينم عن عدم معرفة بجوهر عقيدة الإسلام وتعاليمه العظيمة

يقول الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه مخاطبا رستم ملك الروم ردا على سؤاله عن سبب تحرك المسلمين ودعوتهم وجهادهم : “ لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة فمن قبل ذلك منا فقد قبلنا منه وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر فرد عليه رستم قائلا : قد تموتون قبل ذلك أي قبل الوصول لأهدافكم
فقال الصحابي الجليل : “ وعدنا الله أن الجنة لمن مات منا على ذلك وأن الظفر منا لمن بقى ”
فانظر أيها القارئ الكريم لمعاني كلام الصحابي الجليل القليلة الالفاظ الشاملة المعنى والرسالة لجوهر دين الاسلام وكل ما جاء به الصحابي إنما تدل عليه الأيات والأحاديث الكثيرة التي لا يتسع لها المقام ويعلمها كل من له معرفة بدين الإسلام
ولقد أوجز الصحابي أسباب التحرك للتغيير في ثلاثة أمور

  • أولا إخراج الناس من الكفر ومن عبادة الحكام الطواغيت إلى الإسلام والتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له
  • ثانيا رفع الظلم عن الناس وإقامة العدل في الحكم بينهم
  • ثالثا إخراجهم من الضيق في الدنيا أي الفقر إلى الحياة الكريمة والسعة في الدنيا ثم في الأخرة بدخول الجنة للموحدين

فرد عليه رستم قائلا : قد تموتون قبل ذلك أي قبل الوصول لأهدافكم
فقال الصحابي الجليل : “ وعدنا الله أن الجنة لمن مات منا على ذلك وأن الظفر منا لمن بقى ”
فانظر أيها القارئ الكريم لمعاني كلام الصحابي الجليل القليلة الالفاظ الشاملة المعنى والرسالة لجوهر دين الاسلام وكل ما جاء به الصحابي إنما تدل عليه الأيات والأحاديث الكثيرة التي لا يتسع لها المقام ويعلمها كل من له معرفة بدين الإسلام
ولقد أوجز الصحابي أسباب التحرك للتغيير في ثلاثة أمور
أولا إخراج الناس من الكفر ومن عبادة الحكام الطواغيت إلى الإسلام والتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له
ثانيا رفع الظلم عن الناس وإقامة العدل في الحكم بينهم
ثالثا إخراجهم من الضيق في الدنيا أي الفقر إلى الحياة الكريمة والسعة في الدنيا ثم في الأخرة بدخول الجنة للموحدين

إذن رسالة الإسلام هي الرسالة الثورية الحقة الوحيدة التي تسعى لمقاومة الكفر والطواغيت والذين بالتبعية يجعلون نظامهم الحاكم قائم على الظلم والقهر مما يؤدي لعيش الناس في ضيق الحياة والفقر والمعاناة الاقتصادية لعموم الشعب وعبر استقراء تاريخ الأمم وثوراتهم كما سنبين جانبا من ذلك يتبين حقيقة ذلك بالأدلة وإن كان المسلم المؤمن المصدق لوحي الله عزوجل في القرأن والسنة لا حاجة به لمعرفة أي أدلة تاريخية أو استقرائية فمعنى الإيمان لغة هو التصديق و جوهرها الإيمان بالأمور الغيبية والوعود الربانية التي قد يراها المسلم في حياته أو قد لا يراها لذا رد الصحابي على ملك الروم حين نابذه أنه ربما يموت أو يقتل قبل أن يحقق أهدافه أو يرى وعد الله بالنصر فرد الصحابي بكلام المؤمن الموحد الواثق بكلام الله وموعوده بأن الله قد وعد الجنة لمن التزم سبيله وأوامره بغير النظر عن النتيجة على مستوى الفرد الشخصي في الدنيا ولكن أيضا على مستوى الامة والمجموع للمسلمين فإن النصر هو النتيجة المحققة التي وعدها الله وأكبرها هو عند النصر على الدجال ونزول عيسى بن مريم ليقتله في اخر الزمان و إلى حين حصول ذلك مراحل ومنعطفات وفي كل منعطف ومرحلة يحكمها وعدين وعد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ألا تهلك هذه الامة أو تفنى تماما ولا يستئصلها عدو أبدا ولو اجتمع عليهم من بأقطارها والوعد الأخر هو أن لا تزال طائفة من هذه الامة قائمة على امر الله تقاتل عدوها ولا يضره من خالفها ولا خذلها وذلك عبر كل الأزمان المختلفة من عمر الأمة
وربما يقول بعض المثبطين من العلمانيين وأشباههم وممن تلوث بنفاياتهم الفكرية و مفاهيمهم الملوثة التي لا تمثل سوى تخريب عن قصد أو جهل لجوهر عقيدة الأمة التي تمثل مصدر قوتها وصلابتها فيقولون ان الغرب الكافر هو الذي حقق الرفاهية وأن العالم المسلم هو الذي يعيش في الفقر والجهل ونرد على هذا الأمر في عدة نقاط

  • أولا: كما رأينا في مقال نظرة استراتيجية للمقاومة المصرية مراحل وتاريخ الأمة نجد أن الأمة حين كانت تحكمها شرائع الإسلام وحين كانت لها دولة خلافة مسلمة كانت في طليعة الأمم اقتصاديا و جتماعيا وعلميا لذا فإن الفساد الحاصل ليس من جهة الإسلام بل من جهة تسلط القوى المستعمرة فبلادنا محتلة من قبل الغرب الكافر منذ أكثر من مئتي عام يفسد فيها وينهب ثرواتها ويدمر شعبها معنويا وعقديا وخلقيا ويمنع أي بادرة تقدم أو تجمع يقدم الخير والفائدة لهذه الامة في أي مجال فكيف يكون الحكم على مسجون معتقل مقهور في وطنه بأنه غير متحضر وجلاده وقاتله هو المتحضر ! ألا بئس القياس والمقارنة الفاسدة عقلا وواقعا وبئس التدليس على الامة
  • ثانيا:فلننظر إلى الغرب الكافر الذي يقدمونه نموذجا مثاليا هل هو فعلا كذلك بالرغم من عدم امكانية المقارنة كما ذكرنا في النقطة السابقة ولكن من باب الفرضية ولنتعرف على حقيقة الأنظمة التي يقدمونها كحلم وردي وقبل أن نذكر أرقام الفقر وانعدام التكافؤ الذي يعلمه كل من عرف أو عاش في حضارة الغرب فلننظر إلى الجانب الأجتماعي فقد انتجت هذه الحضارة الشيطانية كل أنواع الموبقات من الشذوذ الجنسي والعلاقات الجنسية المحرمة وملايين الاطفال مجهولي النسب وانعدام الأسر وتفككها واستعمال المرأة التي يدعون تحريرها كسلعة رخيصة لم تحدث من قبل حتى في أيام تجارة العبيد بأن صار جسد المراة وعوراتها وكرامتها مستباحة بابخس الأثمان ومن اجل أحقر الأهداف

وعلى المستوى السياسي هل هناك فعلا إمكانية الوصول للحكم لأي فرد من الشعب ؟ فهذا وإن كان نظريا مكفول في الدستور ولكن الواقع والنظام السياسي وطريقة الوصول للمناصب تكذب كل ذلك فالمتحكم هو نخبة حاكمة مدعومة باصحاب الثروات وأحيانا بعض الدول تشابه الأسر الحاكمة التي يكون فيها الحكم موروثا فنجد مثلا أمريكا على مر تاريخها لم يحكمها سوى حزبان فقط بينهما أمور مشتركة كثيرة وفقط تتغير الأسماء التي ربما تكون أحيانا بينها علاقات النسب والمصاهرة والقرابة متشعبة وكذا في عديد البلدان فالذي حدث أنه تغير شكل النظام الحاكم نتيجة لثورات وانتفاضات الشعوب كما سنرى لاحقا ولكن دار الامر وتمحور مرة أخرى لأصحاب النفوذ والثروة مثل عهود الملكية والقياصرة ولكن مع بعض الفوارق فالصلاحيات والنفوذ نظرا لتغير الأوضاع

وعلى المستوى الاقتصادي نجد الأزمات والمشاكل المتفاقمة كل يوم فنذكر بعض الأرقام الدالة على ذلك على سبيل المثال فقط وليس الحصر فلا يتسع المقام للأبحاث المفصلة

بالنسبة للعالم فهذا جدول يمثل الدين الخارجي طبقا للاحصائيات الرسمية لبنوك الدول المركزية ولكتاب حقائق العالم الصادر عن المخابرات المركزية الأمريكية وهذا فالفترة من ديسمبر 2017 وصولا للنصف الأول من عام 2018

الدولةالدين بالمليار دولارنسبة الدين من الناتج القومي
الولايات المتحدة 21284
94%
المملكة المتحدة 8475313%
فرنسا 5689213%
المانيا 5398141%
ايطاليا 2510
124%
الصين 184315%
روسيا 53740%
تركيا 45353%
كندا 1931115%
اليابان 1158674%

هذا جدول يبين نسب البطالة في بعض الدول

الدولة نسبة البطالة
الولايات المتحدة 4.1%
استراليا 5.3%
كندا 5.9%
الصين 3.9%
مصر 11.3%
فرنسا 8.9%
المانيا 3.3%
المملكة المتحدة 4%
روسيا 6%
تركيا 10.3%

طبقا لمركز الابحاث الدولية فإن 80 % من سكان العالم يعيشون بأقل من 10 دولار فاليوم و حوالي 45 % من سكان العالم يعيشون بأقل من 3.1 دولار يوميا وأن 20 % من السكان وهم الطبقة الأغنى قليلا تستهلك حوالي 77 % من موارد العالم
وطبقا لتقرير وكالة أوكسفام عام 2014 م فإن 85 شخصا في العالم يملكون ما نسبته 48 % من مجموع الثروة العالمية المعروفة وأن النسبة ستصل ل 50% في عام 2016 م !! لاحظ العدالة المزعومة
تشير تقديرات الثروات المخبأة في مناطق بعيد عن سلطة الحكومات والضرائب والرقابة إلى حوالي 32 تريليون دولار في عام 2012 م

إذن خلاصة الوضع الأقتصادي المزعوم في الدول الغربية المتقدمة التي تحكم العالم هو قلة من أصحاب النفوذ والثروة يجمعون ثروات العالم في قبضة يدهم مع عدم دفع الضرائب التي وضعوها بأنفسهم ويديرون مع نخبة محدودة من السياسيين هذا النظام العالمي مع تسخير باقي الشعب لصالحهم ففي دول الغرب يكون معظم الشعب على حد الكفاف الذي يكفي وفي الدول المستعمرة حال دولنا يكون الشعب تحت مستوى الفقر ونتيجة للسياسات الربوية و الفساد الممنهج يرتفع الدين العام ويتم اللجوء لفرض ضرائب جديدة وسياسات تقشف على الشعوب لمنع انهيار الاقتصاد واستمرار تكدس الثروات الخاصة لقلة معدودة من سكان العالم فيا أصحاب العلمانية تبا لكم ولأنظمتكم التي تمثل الظلم البين لكل الشعوب ودوما ما نجد العلمانيين والشيوعيين من بني جلدتنا أشد تعصبا لهذه المذاهب الغربية من اصحابها فقد سقط الاتحاد السوفيتي والدول والنظام الشيوعي وتخلى عنه من صنعوه ولا نزال نجد من يتسمى بها وينتسب لها في بلادنا !! وكذا الحال للرأسماليين الأن أصحابها في الدول الغربية يصرخون من أزماتها وضرورة وجود بديل لها ولا زال متبعيها هنا يسوقونها على أنها الجنة المزعومة فهولاء لا ينطبق عليهم سوى المثل العربي القديم ” عنزة وإن طارت

خرافة الثورة الشعبية السلمية

حتمية استخدام الثورات والشعوب للقوة من إجل إحداث تغيير جذري هو سنة كونية لا حياد عنها فأي رسالة ودعوة تطلب تغييرا جذريا لابد أن تحارب من أعدائها أصحاب المصالح في بقاء النظام الطاغي ويستخدموا في ذلك كل الوسائل الممكنة مهما بلغت بشاعتها أو قوتها فالمهم فيها هو تحقيق هدفهم بقمع التغيير والثورة فكما قوتل الرسل وحاربتهم أقوامهم فكذا سيحدث في كل مكان وزمان لكل من يطلب تغيير نظام مستبد ظالم بنظام عادل يمنح مواطنوه الحرية فإن عاجلا أو أجلا لابد من أن تستخدم الثورة القوة والعنف للتغيير ليس رغبة في ذلك بل مضطرة إلى استخدامها كون أعداء الثورة لا يجعلوا هناك سبيلا أخر من أجل إحداث التغيير الجذري المطلوب في كل الثورات
يقول ماو تسي تونج ” لا يمكن أن تكون الثورة حفل عشاء أو كتابة مقال أو رسم لوحة أو تطريز قطعة لا يمكن أن تكون بهذه الرقة واللطف لا يمكن أن تكون رحيمة ولطيفة ودمثة ومهذبة الثورة انتفاضة عمل عنيف تستطيع طبقة عن طريقه ان تطيح بطبقة أخرى
فسنستعرض الأن بعض الملامح الرئيسية من اهم ثورات العالم في العصر الحديث ومنها

الثورة الأمريكية ضد بريطانيا

استمرت مدة 18 عام من 1765 م إلى عام 1783 م منها اخر 8 سنوات حرب عسكرية شاملة ثم حدثت الحرب الأهلية الأمريكية لمدة أكثر من 4 سنوات من عام 1861 م إلى عام 1865 م ثم بنيت بعدها أساس الدولة الأمريكية الحديثة

الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي

استمرت 10 سنوات ونصف منذ عام 1789 إلى عام 1799م بأحداثها الكثيرة وما تبعها من تغيرات لصياغة الدولة الفرنسية الحديثة

الثورة الانجليزية او الحرب الأهلية الانجليزية

استمرت من عام 1640 م إلى عام 1649 م بين أنصار الملكية وأنصار البرلمان تبعتها 11 عام فيما سمي بفترة الكومنولوث الانجليزية إلى عام 1660 موكانت هذه الأحداث سببا لتغيرات كبيرة أدت في النهاية لما عرف بالثورة المجيدة عامي 1688 و 1689 م والتي انتهت بصياغة شكل الدولة الحديثة في بريطانيا

الثورة الروسية

بدأت أحداثها منذ 1874 م بمواجهات بين حكومة القياصرة والثوار ثم اغتيال الثوار للقيصر الكسندر الثاني عام 1881 م ثم بعد ذلك تنظمت المجموعات الثورية الماركسية وتنظمت حتى اندلعت الثورة التي سميت بثورة العمال عام 1905 م بعد هزيمة روسيا في حربها ضد اليابان وأحداث الثورة الدموية وفترة كبيرة من الاضطراب والصراعات والاحداث ثم دخول الحرب العالمية الاولى حتى وصلت لثورة 1917 م الشهيرة التي استمرت احداثها طوال العام تقريبا ثم حرب اهلية استمرت لعام 1922م حتى امكن تأسيس الدولة الحديثة في روسيا

استنتاجات وملاحظات

الثورات تمتد لأعوام وليست انتفاضة لأيام أو شهور خصوصا الثورات على الأنظمة التي استمرت ثابتة لمدد طويلة
تراوحت مدد الثورات من 10 سنوات إلى حوالي 30 سنة أو أكثر أحيانا وتمر بعدد من الانتفاضات و المنحنيات قبل أن تصل إلى النجاح والاستقرار
كل الثورات تبدأ كانتفاضة شعبية سلمية للمطالبة بالحقوق ورفع الظلم ثم ما تلبث أن تقمع بالقوة فتبدأ بالأزدياد لتتحول لانتفاضة عامة وغالبا ما تفشل في الجولة الأولى مع اختلاف أسباب كل ثورة تبعا لظروفها و تكون غالبا هناك أحداث دموية في هذه الجولة تدفع الثوار للتنظيم في مجموعات والقيام بالعمل المسلح والعمل الشعبي الثوري وصولا لنقطة انفجار جديدة تكون الثورة شعبية واسعة ومدعمة بالقوة بعد مدة معينة من العمل الذي يؤدي لإضعاف العدو ويمهد لهذه الموجة يتبع ذلك أحيانا حربا أوسع مع أجنحة النظام القديم أو مع قوى خارجية داعمة للنظام القديم أو مع كلاهما ثم بعدها تؤسس الثورة لأنظمتها الجديدة
كل الشعوب التي ذكرنا أمثلتها قدمت ضحايا بالملايين وسنوات من النضال في
الثورات حتى تستطيع تاسيس دولة حرة وعادلة
فقد قتل الالاف في ثورة روسيا 1905 وبلغ قتلى الحرب التي أعقبت ثورة 1917 اكثر من مليون قتيل ويقدر بعض المؤرخين عدد القتلى والاعدامات التي سميت الرعب الاحمر والأبيض نسبة لطرفي الحرب بعدد يقارب 7 ملايين قتيل
يقدر عدد قتلى الامريكيين في الثورة بحوالي 25 ألف قتيل وفي الحرب الأهلية حوالي نصف مليون قتيل
وفي الثورة الفرنسية يقدر عدد القتلى ما بين 40 إلى 50 ألف واذا اضيف اليهم عدد قتلى ما سمي بحروب الثورة يرتفع العدد ل مليون و 400 ألف قتيل

الفارق بين أنظمة الحكم الحالية في الغرب وأنظمة الأستبداد في الشرق و خطأ مقارنة الحراك بين البيئتين في الوقت الراهن

الأنظمة الغربية لا تقل في الطغيان والوحشية عن الأنظمة التي تحكمنا والدليل على ذلك تاريخهم وحروبهم و ما يفعلوه في شعوبنا ولكن الحال الان داخل بلادهم أنه هناك ردع شعبي ونظام مؤسس على دم وتضحيات الشعب نال عبره حقوقه وحريته وهذا ما يقف أمامهم ويجعل الشعوب قوية ولو غفل شعب منهم عن هذا المبدأ والأساس الذي تقوم عليه البلد سرعان ما سيلتهمهم حكامهم سواء عبر فرض ضرائب جديدة أو قمع حرياتهم والمتابع للدول الغربية يعلم حجم الصراع والتدافع بين الشعب والأنظمة الحاكمة على الحقوق والحريات التي اكتسبها الشعب منذ تأسيس دوله الحديثة بعد قرابين الدم والنضال التي قدمها
لذا فلا يدلس أحد علينا ويخدعنا بمظاهرات أوربا اللطيفة التي تستجيب لها الحكومة بدون عنف أو أنها ذات تأثير على صناع القرار و لذا فليفهم القراء جميعا طبيعة هذه الدول وكيف قامت ولا يستمع لمدلس أو جاهل يقارن بين بيئتين وظروف مختلفة ولو أرادوا المقارنة فليقارنوا حالنا مع حال هذه الشعوب منذ مائتي عام أو أكثر وكيف وصلوا لبناء هذه الدول والأنظمة التي نراها هل بالورد والتعبير السلمي والشعارات البراقة ؟ أم بالمقاصل وبدماء الشعب وبالحروب الطاحنة وسنوات النضال الممتدة ؟ لذا فلابد أن نتبين حقيقة الأمر عبر القراءة الصحيحة للتاريخ وللحاضر حتى نستطيع أن نعرف كيف نتحرك نحو المستقبل بطريقة صحيحة تتفق مع ديننا وعقيدتنا أولا ثم مع سنن التاريخ والكون ونشوء الدول والانظمة وتغييرها

أحداث ثورة يناير

لقد مثلت أحداث 25 يناير وما تلاها إلى اللحظة الراهنة ثورة شعبية حقيقية وإن كانت ثورة غير مخططة او غير منظمة وهذا ما أدى بها للمسارات والمنعطفات اللاحقة وهذا لا يعني سوى أهمية استيعاب الشعب للتجربة وتطوير وعيه الثوري ومساراته حتى يستطيع تحقيق أهدافه ولقد راينا في المقال السابق المعنون بنظرة استراتيجية للمقاومة المصرية حجم تضحيات الشعب المصري فقد قدم في أول 18 يوما حتى تنحي مبارك اكثر من ألف شهيد ويأتي قائل ويقول هي ثورة سلمية أو ثورة وردية ! وأين أريقت دماء هؤلاء الشهداء ؟ ألم ترق على عتبات مواجهة الطواغيت وبالاخص أقسام الشرطة ومقراتها التي تمثل رمز الطغيان ألم ترق دفاعا عن ميدان التحرير مركز الثورة ومهدها ألم ترق في ميادين المحافظات التي انتفضت ضد النظام العسكري المجرم
ولم يكتف الشعب بهذه التضحيات بل بلغ تقدير ما قدمه كما ذكرنا مفصلا في المقال المشار إليه إلى اليوم قرابة 8 الالاف إلى 15 ألف شهيد وإن كان التقدير الأقرب في وجهة نظري هو ما بين ال 8 و 10 الالاف إلا ان مشاكل قمع الحريات والطغيان والبيانات المفبركة تمنع من الحصول على الأرقام الدقيقة الغير قابلة للتخمين بالإضافة إلى عشرات الالاف من المعتقلين والمصابين والمهجرين والمنفيين خارج وطنهم
ولكن الشعب والثوار كان بأسهم بين بالرغم من ضعف الامكانيات فقتلوا من عدوهم ما يقارب 1500 قتيل من زبانية النظام وجنوده الذين يقتلون اهلهم وشعبهم ويعذبون أمتهم في سبيل رضى الطاغوت عنهم ولا نقول فيهم سوى قول الله عز وجل ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) وقوله أيضا ( ولا تهنوا في إبيتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما ) ولا تزال الحرب والثورة والصراع مستمرا حتى يأذن الله بنصر هذا الشعب المسلم وإسقاط النظام المستبد المجرم

سمات تحكم التحرك الشعبي

لا يوجد ما يسمى بشعب لا يثور او لا يتحرك بل لكل شعب خصائص وسمات تحكم ذلك وتؤثر فيه فهناك بعض الشعوب تكون طبيعتها ثائرة بالفطرة مثل الشعب العراقي ولهذا له تاريخ كبير من الثورات وهناك شعوب تأبى الذل والعار وتثور لكرامتها لأقل الأسباب مثل شعوب الجزيرة العربية وهناك شعوب تعودت الحرب والقتال وألفت المعارك مثل الشعب الأفغاني والشعب الصومالي لذا لها تاريخ عريض من القتال المستمر ضد الغزاة بلا توقف وهذه الطبيعة تكون سمة عامة ولكنها تتأثر بالتغيرات والعوامل الخارجية ولذا ربما يقل ظهورها في زمن وتظهر في زمن اخر ولكن تظل هناك طبيعة وسمة عامة عبر التاريخ لكل شعب ولا يحكم التحرك الشعبي لأي أمة الطبيعة وحدها بل هناك عوامل أخرى داخلية وخارجية ومثيرات تختلف من مكان لأخر ومن زمن لأخر وسوف نتناول هذه العوامل بدقة اكثر فيما يخص الشعب المصري ونبرهن أنه حين توفرت عوامل التحرك المناسبة له ثار وتمرد مثل ثورة يناير وما تبعها أو عبر الانتفاضات التاريخية المختلفة

  • أولا الشخصية المجتمعية والطبيعة الشعبية

لا تتكون الطبيعة للشعب المصري وشخصيته من شخصية ثائرة أو تميل للعنف واستعمال القوة في تحصيل مطالبها بل تتكون من طبيعة مسالمة وتميل للانصياع للإطار الحاكم والعادات الموروثة وهذا لا يعني عدم قابليتها للتحرك بل يتحرك الشعب تحت الظروف المناسبة له واستجابة للمؤثرات التي تحركه وهذا ما يفسر تحرك الشعب المصري في مختلف المناسبات التي انتفض فيها بالرغم من طبيعته التي تفضل عدم الخروج على الأطر الحاكمة مثل الانتفاضات الشعبية في اواخر عهد السادات وانتفاضات مجندين الامن المركزي في الثمانينات والانتفاضات الصغيرة في أواخر عهد مبارك وصولا للثورة الواسعة في يناير واحداثها المتلاحقة ونلاحظ أيضا أن هذه الطبيعة ليست ثابتة بل تعرضت للتغيير في العقود الأخيرة قبل ثورة يناير وزاد هذا التغيير الاجتماعي بصورة كبيرة وواضحة بعد الثورة وما تلاها من أحداث ونتيجة لتغير اسلوب المعيشة والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية مما أدى إلى ظهور طبقة جديدة تحمل سمات مختلفة مضادة للطبيعة الاجتماعية التي كانت سائدة في العقود السابقة وكان لعوامل ارتفاع الوعي وتزايد سهولة وسائل الاتصال والحصول على المعلومات مع انتهاء عهد الامان الاقتصادي والمجتمعي الذي كان يمثل صمام امان للأنظمة الحاكمة خصوصا في عهد عبدالناصر وبدأ يضعف في عهد السادات ومبارك وانهار تماما بعد الانقلاب فاصبح الامل في حياة طبيعية من الناحية الاقتصادية والمجتمعية ضعيفا جدا ويزداد ضعفا ويزداد المستقبل قتامة مع السياسات التي ينفذها نظام الحكم العسكري التي يمكن تفسيرها أنها عقاب جماعي ومحاولة تركيع شعبي أو انها سياسات اضطرارية استجابة للنظام الراسمالي العالمي ومؤسساته مثل البنك الدولي والشركات العالمية والأصوب أنها نتيجة لخليط من السببين معا وبغض النظر عن الأسباب فالنتيجة الواقعية على الوعي الشعبي الجمعي هي ما ذكرناه مما يؤدي إلى أن الأجيال الصغيرة تحمل تمردا ورغبة في القيام باي تحرك عنيف أو غيره وعدم وجود التزام بالنظام أو الأطر الحاكمة التي يضعها النظام العسكري أو التي يحاول إعادتها بعد انهيارها في ثورة يناير

  • ثانيا الدوافع والمثيرات

الاسلام

عبر استقراء التحركات الشعبية في مصر في التاريخ الحديث نجد ان أقوى عامل مؤثر هو الإسلام بالرغم من كل محاولات هدم العقيدة الإسلامية وتمييع الهوية وتدمير ثوابت الدين بكل الوسائل الممكنة وعبر كل السنوات السابقة إلا أنه لا يزال يمثل الرمزية الوحيدة التي تستطيع تجميع الشعب المصري وتحريكه وقد ظهر هذا في قيادة ما يسمى بالإسلاميين للحراك الشعبي بعد ثورة يناير و انتصار خياراتهم عبر التصويت الشعبي في كل الاستحقاقات المختلفة و قد تم فهم هذه الاستجابة الشعبية للتيارات الإسلامية بشكل خاطئ على أنها تاييد لفصيل سياسي أو لشخصيات معينة والحقيقة هي أنها كانت تعبير شعبي عن اهم عامل مؤثر فيه وهو الإسلام وقد كان ما يسمى بالتيار الإسلامي بعد الثورة غير جدير بهذه الثقة لاسباب كثيرة منها عدم الكفاءة وانعدام الشخصيات القيادية المناسبة وضعف الرؤية السياسية والاستراتيجية وغيرها الكثير وقد وقع في كل الاخطاء الممكنة التي أدت لضياع مكتسبات ثورة يناير وهذا ليس محل لنقاش هذا الموضوع ولكن الشاهد هو أن الإسلام هو العامل الاهم في حراك واستجابة الشعب لرمزيته

القادة المؤثرين

تمثل الشخصيات القيادية والزعامات الفردية عاملا هاما في تكوين الاستجابة الشعبية لعموم الأمة المصرية عبر العصور فدائما ما يريد الشعب زعيما وقائدا ملهما قويا يستجيب له ويتحرك وراءه وهذه الخاصية منذ عهود الفراعنة وعهود الخلافة الإسلامية حتى في العصر الحديث ومن الامثلة القريبة التي تبين أهمية الشخصيات القيادية في تحريك الشعب وتكوين الاستجابة الشعبية هي تجربة حازم صلاح ابواسماعيل الذي استطاع بطرح نفسه على الناس بتكوين استجابة غير مسبوقة أو متوقعة حتى من قبله شخصيا في زمن يسير وبدون وجود قوى سياسية أو تجمعات شعبية داعمة له مسبقا وقد تمثل فيه الرمزية الشخصية للقائد صاحب الرؤية والرمزية الإسلامية بطرحه الإسلامي العام الغير مؤدلج لتيار معين بل الطرح الإسلامي العام الذي يتوافق مع طبيعة التكوين المجتمعي لعموم الشعب المصري ولذا كان معظم من حكم مصر يهتم بتكوين هذه الشخصية القيادية بشتى الوسائل بغض النظر عن وجود هذه الصفات في الشخص المذكور من عدمه واحيانا ينجح ذلك مثل شخصية جمال عبدالناصر على سبيل المثال وهو وإن كان يمثل النظام العسكري الطاغي ولكن المعرفة بطبيعة الشعب مكنته من تكوين رضى شعبي مقبول عن حكمه مما يمكنه من الاستمرار بالرغم من الاخفاقات الكثيرة واصوات المعارضين لحكمه ونحن ليس غرضنا الان تقييم التجارب بشكل كامل بل نلفت النظر فقط لأهمية هذا العنصر المتمثل في الشخصية القيادية القوية كأحد اهم العوامل المؤثرة في الاستجابة الشعبية في الواقع المصري

الوضع الاقتصادي والمجتمعي الضاغط

وهذا العامل وإن كان يمثل أهمية في أي تحرك شعبي عموما إلا انه بمفرد لا يكفي لتحريك الشعب المصري الذي له قدرة كبيرة على تحمل الظروف الصعبة وإن كان كما ذكرنا سابقا هناك تغيير يحدث في الاجيال الجديدة الحالية على مستوى الشخصية إلا انه لا يزال هذا العامل غير كافي منفردا لإثارة رغبة عارمة ثورية ولكنه يمثل عنصرا هاما وأساسيا في خلق المناخ الساخط والغاضب الذي يشكل جزءا كبيرا من المناخ الثوري اللازم لتحرك الشعب ولاستمرا الثورة والرغبة في تغيير نظام الحكم المستبد

  • ثالثا العوامل المساعدة

هذه العوامل التي سوف نعدد اهمها تمثل عناصر دعم اساسية للاستجابة الشعبية وتحرك الثورة وتقدمها في سبيل تحقيق النجاح وإسقاط انظمة الحكم المستبدة ولذا لابد من الاهتمام ببناء الممكن منها واستغلال الظروف المناسبة التي يصنعها وجود هذه العناصر التي لابد من أخذها بعين الاعتبار حين وضع التصور السياسي والخط الاستراتيجي للثورة المصرية وبالاخص الشق الذي يتضمن التحرك الشعبي والاستجابة الجماهيرية

محليا

وجود قوة ثورية أو رأس حربة تتحمل مخاطر وعبء الثورة يتقي فيها الشعب غضب النظام بنسبة ما و تتحمل المسئولية السياسية للأحداث وتبعاتها
الإحساس بضعف النظام و وجود احتمال لاسقاطه أكبر من احتمال نجاحه في قمع الثورة أو على الأقل وجود ملامح لقورة الثورة وقدرتها على الصمود أمام النظام القمعي وأجهزته الباطشة
حدث محلي يمثل شرارة لنزول الجماهير ويشترط وجوده في العاصمة لكي يستطيع أن ينمو ويحدث الأثر المطلوب لبدء الثورة

خارجيا

وجود عدم استقرار إقليمي في المنطقة و تذبذب في رؤى التحالفات الداعمة للنظام الحاكم أو مشاكل لديها تؤدي لضعف الدعم أو إرباك التوجه السياسي
حدوث انتفاضات أو تحركات شعبية في الدول الإسلامية القريبة خصوصا مما يؤدي لإمكانية المحاكاة أو التقليد الشعبي
تغير وضع الدعم الأمريكي الذي يمثل قيادة النظام الدولي وصمام امانه سواء كان هذا التغير ناتج عن ضعف في الحكومة الأمريكية أو تبدل سياسي او تغيير استراتيجي

  • رابعا ارتباط الأمة المسلمة ببعضها البعض

إن الشعب المصري لا يمكن اعتباره سوى كامتداد ومكون من ضمن شعوب الامة الإسلامية لذا هناك ارتباط وثيق وكبير بين التحرك والصراع والمعركة في عموم المنطقة والامة الإسلامية وبين التحرك في مصر فأي تغير إيجابي او مكسب في أحد البلاد المسلمة خصوصا قلب العالم الأسلامي مصر والشام والجزيرة العربية يؤدي إلى تغيير إيجابي ومكاسب في كل البلاد سواء على المدى القريب أو البعيد والعكس بالعكس ولذا فإن من الخطأ بمكان قيام أي شعب باعتبار تحركه أو ثورته عملا منفصلا بل هذه النظرة تؤدي للاخطاء الاستراتيجية الكبيرة التي تسبب الفشل وبناء على ذلك فإن قيام اعلى درجات التنسيق والتعاضد بين القوى والتنظيمات الثورية في كل البلاد المسلمة هو من الضروريات والحتميات اللازمة لاي نجاح وهو عنصر هام جدا في هذا العصر الذي يشهد نظاما دوليا واحدا وتحالفات إقليمية كلها تناصر وتقوي بعضها وتسعى لإستمرار استعباد الشعب المسلم ونهب ثرواته في كل البلاد المسلمة

كم نحتاج من اعداد للتحرك الشعبي حتى يكون مؤثرا ؟

هذا السؤال كثيرا ما يطرح بين قادة الحراك الثوري بأشكال مختلفة منها هل نستطيع ان نحرك الشعب بشكل كافي أو ما هو الحد المطلوب من الحراك الشعبي لنجاح الثورة أو هل لابد من أن يتحرك اغلبية الشعب لتأييد الثورة ؟
بالطبع هذه الأسئلة منطقية وهامة ويقول علماء الأجتماع ان المجتمعات عموما يكون عدد العناصر النشطة بها التي تعمل من أجل إحداث فارق لا تزيد في أكثر الاحوال عن نسبة 0.5 إلى 1 بالمئة من عموم الشعب ولذا نجيب على هذه الاسئلة بشكل أكثر تحديدا فنقول أنه تحتاج الثورة إلى ان يكون هناك تأييد له بنسبة كبيرة تزيد عن النصف وتحتاج إلى أن يكون هناك نشاط شعبي لا يقل عن نصف بالمئة من المؤيدين لها وبحساب بسيط تطبيقا على واقع الثورة المصرية نجد أنها امتكلت ولا زالت تمتلك عددا أكبر سواء من عموم المؤيدين للثورة او من الناشطين الفعليين على الارض فلو جمعنا عدد شهداء ومصابي ومعتقلي ومهجري الثورة الذين نعتبر انهم من لمسهم ضرر مباشر نتيجة لتحركهم على الأرض ضد النظام المستبد نجد ان العدد يتراوح 200 ألف إلى 300 الف شخص ولو افترضنا أن هؤلاء الذين تم وقوع الأذى عليهم يمثلوا ربع المشاركين على الأرض نجد أن مجموع الحراك الشعبي الثوري الفاعل قد تجاوز المليون و بالطبع هذا افتراض يبالغ في التشاؤم في القول أن واحد من كل أربعة شارك في الحراك الثوري قد تم قتله أو اصابته او اعتقاله أو تهجيره و المنطق والحسابات الأمنية يقول ان النسبة هذه لا تزيد على 10 بالمئة من مجموع من شارك بالحراك أي أن عدد المشاركين الفاعلين على الأرض قد يصل إلى 3 مليون أو أكثر ونستنتج من ذلك نتيجة بالغة الأهمية وهي أننا نملك فائضا وزيادة في القدرة العبية اللازمة لإحداث التغيير الثوري ولكن المشكلة الحقيقية في المراحل السابقة تمثلت في سوء القيادة لهذه الجموع مع الخيارات الخاطئة المتتالية والذي يلزمنا في هذه المرحلة هو العمل على طرح يناسب العوامل اللزمة لتحريك الاستجابة العبية ويتجنب الأخطاء السابقة عند قيامها ولا يوجد ما يدعو لأي تصور خاطئ عن قلة الدعم الشعبي أو عدم كفايته لنجاح التغيير الثوري

كيف تستعمل المظاهرات كأداة ثورية حقيقية

إن التظاهرات الجماهيرية في الشارع هي أهم تعبير عن الحراك الشعبي الثوري وبالرغم من ذلك فقد تم إفقادها قوتها وتأثيرها نتيجة لاستعمالها بشكل غير مناسب في كثير من الاحيان في مختلف معارك الثورة المصرية و سنذكر هنا أهم العناصر التي لابد من الانتباه لها عند القيام بتحركات شعبية مخطط لها أو عند حدوث حراكات شعبية عفوية ومفاجئة

  • أولا المظاهرة هي معركة

ويقصد من ذلك ان التخطيط للمظاهرة وحركتها وطبيعتها والهدف منها يخضع في كل المراحل لقوانين الحرب العسكرية الاساسية حتى ولو كانت مظاهرة سلمية أو ليس بها مظاهر عنف مسلح وعدم التقيد بهذا العنصر يفشل الكثير من التحركات الشعبية ويؤدي لوادها و اسس الحرب وعناصرها هي

  1. وحدة القيادة والخطة والتنفيذ
  2. الامن والسرية أي في مراحل التخطيط والاعداد واهداف التحرك
  3. الحركية
  4. المناورة ويقصد بها اتجاه وسرعة الحركة وشكلها وطبيعتها
  5. المفاجأة وهي العمل على خلاف المتوقع من قبل العدو
  6. المبادرة وهي قرار التحرك قبل الخصم
  7. المحافظة على الهدف المخطط له في كل مراحل التحرك
  8. تركيز الجهد ويقصد به حشد القوة ضد مراكز العدو الاكثر أهمية وتأثيرا في الصراع
  9. الاقتصاد بالقوى ويقصد به استخدام الحد الادنى من القوات او الاعداد والوسائل اللازمة للنجاح في تحقيق الهدف طبقا لكل حالة

وهذه العناصر المختلفة تمثل أهم خطوة لازمة في تخطيط التحرك الشعبي وإخضاعه للقوانين السابقة يضمن كثيرا من عوامل النجاح له

  • ثانيا التوقيت والمكان والمدة

لابد من دراسة توقيت التحرك واماكن تجمعه واهداف نهاية تحركه بشكل شامل في إطار خطة متكاملة ومناسبة لكل موقف لضمان الزخم الشعبي وتحقيق الهدف المرجو منها

  • ثالثا وسائل الحماية

التحرك الشعبي هو تحرك غير مسلح بالأصل وهذا في أغلبه ولكن في ظل أوضاع معينة و ردود فعل متوقعة من العدو لابد من دراسة هذا الرد وإعداد وسائل مناسبة لتقليل أثره على التحرك الشعبي بحيث لا يسمح للعنف من قبل العدو بإفشال التحرك قبل تحقيق الهدف وهذه الوسائل قد تتراوح من مجرد وسائل بسيطة مثل قناع او بعض وسائل الحماية وصولا لمجموعات مسلحة تتولى التصدي لعنف أجهزة القمع عند استخدامها ويراعى في ذلك ظروف وأهداف كل تحرك شعبي وأيضا ان الأصل فيه هو عدم العنف إلا في إطار ردع العدو ومنع إفشال التحرك الشعبي
هذه أهم عناصر لابد من التفكير فيها عند التخطيط للتحرك الشعبي أو عند توجيه تحرك شعبي عفوي أو غير مخطط له وفي كل عنصر هناك الكثير من التفاصيل التي لا يتسع لها المقام هنا ولكن كان ولابد من هذا الطرح وصولا لاستكمال الصورة المطلوبة

تكامل مسارات الثورة مع بعضها وجناحاها الشعبي والعسكري

الثورة هي كالطائر المحلق لها رأس وهو القيادة وجناحان وهما الحراك الشعبي والحراك العسكري أو العمل العنيف وأي خلل أو تغييب للرأس أو الجناحان ينتج عنه السقوط والفشل ولذا فإن من أكبر أخطاء الثورة في فترة بعد يناير وقبل الانقلاب هو عدم وجود جناح يحميها ومن أكبر أخطاء بعد الانقلاب هو انفصام الحراك الشعبي عن العمل العسكري ومعاداته من قبل بعض القيادات الجاهلة أو القاصرة التصور لطبيعة وحقيقة الثورة فكما ذكرنا سابقا في أمثلة الثورات وما يمكن أن نسميه بدروة حياة الثورة انها قد تنشأ نتيجة لعمل مخطط مسبق وايضا تنشأ نتيجة لتحرك عفوي غير مخطط مثل الثورة المصرية وفي هذه الحالة لابد للثورة من أن تتطور وتعمل على خلق قيادة لها وجناح حامي وتنظيم الجناح الشعبي العفوي حتى تتمكن من الطيران والنجاح أما التصورات القاصرة عن الثورة والتحركات غير الناضجة لا تؤدي سوى لتقديم الثوار كقرابين بلا ثمن على مذبح الطغاة بدون نتيجة ملموسة في حدوث التغيير المرجو ( بالطبع كل من شارك في دفع الظلم ومحاربة الطغاة فأجره ودرجاته العالية لا تضيع عند المولى عز وجل ولكننا نتكلم على المستوى العام وليس المستوى الفردي الذي دوما ما يكون الامتثال لأمر الله موجبا للثواب الجزيل ) ويجب التنويه هنا ان الوقت دائما لا يزال متاح لتدارك الأخطاء والسلبيات واستكمال النواقص طالما مازال المناخ الثوري وأسباب الثورة موجودة وتزيد كل يوم وطبيعة الثورات هكذا تمر بمنحنيات عدة حتى وإن كانت ثورات مخططة فهي نتاج بشري يحتمل الخطأ والتعديل ولكن المصيبة الكبرى هي في الإصرار على تكرار الأخطاء وتوقع نتائج مغايرة على أرض الواقع