كثيرا ما يتساءل البعض من محبي الشيخ رفاعي سرور عن سر عثورهم على عدد من كتبه على موقع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. بل وعثورهم على كتب دينية متنوعة في تفسير القرآن والحديث والفقه والتاريخ والسيرة والعقيدة على الموقع المذكور.

ويتوهم البعض بأن تلك الكتب تتضمن فيروسات لاختراق أجهزة حاسوب من يسعى لقراءتها (رغم أنها كتب مطبوعة وغير ممنوعة)، والبعض الآخر يتماهى مع الأوهام والظنون ليزعم أن الاستخبارات الأمريكية تدعم التيارات الإسلامية عبر نشر الكتب الدينية وكتب منظري التيار الإسلامي على موقعها الإلكتروني.

أما الحقيقة فتتمثل في أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية نشرت على موقعها في عام 2017 كافة المحتويات التي عثرت عليها في أجهزة حاسوب الزعيم السابق لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن عقب اقتحام محل إقامته في آبوت أباد بباكستان عام 2011. 

وتضمنت تلك المحتويات كتب ومجلات وفيديوهات وصولا لأعداد إلكترونية من بعض الصحف اليومية مثل صحيفة القدس العربي. فضلا عن مراسلات لزعيم تنظيم القاعدة مع قادة آخرين بالتنظيم في الشريط القبائلي الحدودي بين أفغانستان وباكستان، فضلا عن مراسلات أخرى مع قادة فروع التنظيم في الصومال والعراق واليمن والجزائر.

ويأتي نشر تلك المحتويات في سياق سياسة تنتهجها أجهزة الاستخبارات الأمريكية تقوم على نشر عدد من الوثائق التي تعثر عليها في أماكن الصراعات بهدف إتاحتها للباحثين والخبراء والمحللين كي يجروا عليها دراسات وأبحاث لتستفيد أجهزة الاستخبارات من مخرجات تلك الدراسات دون أن تتحمل أي تكلفة مالية، ودون أن تخصص مئات العناصر من  منتسبيها لدراسة تلك الوثائق.

خطوة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بنشر محتويات أجهزة حاسوب أسامة بن لادن مثلت الحلقة الأخيرة في جهود نشر الوثائق التي عثر عليها بمنزله. حيث سبق لمركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية أن نشر بدءا من عام 2012 عدة مجموعات منتقاة تتضمن وثائق ومراسلات بين قائد تنظيم القاعدة الراحل وأتباعه.

برنامج هارموني بأكاديمية ويست بوينت:

دشن مركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت مشروعا رائدا لنشر الوثائق المرفوع عنها السرية من ضمن الوثائق التي تعثر عليها القوات الأمريكية في أماكن النزاعات. وذلك من خلال برنامج يدعى (هارموني) ينشر الوثائق بلغتها الأصلية فضلا عن نسخ منها مترجمة بالانجليزية. ويضم برنامج هارموني حتى الآن ما يزيد عن 770 وثيقة يبلغ حجمها نصف جيجا، وتضم مواضيع شتى من أبرزها:

-وثائق ومراسلات خاصة بتنظيم القاعدة في أفغانستان تتناول هيكله التنظيمي، ولوائح عمله، وأسماء عدد من عناصره، ورسائل متبادلة بين قيادات التنظيم وكوادره، وعدد من الكتب التي عثر عليها بمعسكرات التنظيم في أفغانستان.

-وثائق ومراسلات خاصة بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق تمتد من عام 2007 حتى عام 2011، تتناول هيكله التنظيمي، وميزانيات عدد من الخلايا والمجموعات التابعة له، وتحليلات داخلية لعملياته، وعدد من بياناته الإعلامية، ودراسات أعدها عناصر من التنظيم عن خصومه داخل العراق.

-وثائق ومراسلات خاصة بتنظيم الدولة الإسلامية بعد إعلانه (الخلافة). وتتناول تلك الوثائق ميزانيات عدد من المجموعات التابعة للتنظيم في العراق. وبيانات شخصية خاصة بعناصره وبالأخص العرب منهم الوافدين للعراق.

-عدد من الدراسات والوثائق الخاصة بالاستخبارات العراقية في عهد صدام، والتي تتضمن تقارير يومية عن أنشطة التنظيمات الشيعية المناهضة للنظام البعثي قبيل غزو العراق، ودراسات عن الحرس الثوري الإيراني ومليشيا بدر، وعدد من التقارير الاستخبارية العراقية عن أنشطة الإسلاميين في دولة جيبوتي.

-وثائق خاصة بشبكة القيادي الأفغاني جلال الدين حقاني وحركة طالبان.

أهمية تلك الوثائق

توفر تلك الوثائق المرفوع عنها السرية إطلالة فريدة على عدد من الجماعات والتنظيمات شديدة السرية، حيث توضح رؤيتها الاستراتيجية وبنيتها التنظيمية، وأساليب التواصل بين قادتها وكوادرها، وموازناتها المالية، وأساليبها الإدارية، وعلاقاتها مع الجماعات الأخرى، وحدود التواصل بينها وبين الدول الغربية والعربية.

وقد اهتمت مراكز الدراسات الغربية بدراسة تلك الوثائق، ونشر أبحاث عنها، ومن أبرزها الدراسات التي نشرها مركز راند بعنوان (سرقة قواعد لعبة تنظيم القاعدة)، و(أسس تنظيم الدولة الإسلامية: الإدارة والمال والإرهاب في العراق من عام 2005 إلى عام 2011). ومن الملفت للنظر في حدود متابعتي أنه لا يوجد مركز بحثي عربي اهتم بدراسة تلك الوثائق دراسة جادة تساهم في فهمك وترشيد الحالة الجهادية.