جلس (رستم) على سرير من ذهب، وقد زين مجلسه بالنمارق الثمينة المذهبة والزرابي الحريرية, وزين معصمه وجيده باليواقيت والدر, ليدخل عليه (ربعي بن عامر التميمي) بسيفه وترسه وفرسه, وتطأ حوافر فرسه على البسط الثمينة في مجلس (رستم) ثم نزل عن فرسه يتوكأ على رمحه يخرق به النمارق…

ذهل (رستم)…كيف لهذا البدوي ألا تزيغ عينه بلمعان الذهب والدر…. كيف لا يسيل لعابه لتلك الزينة الباهرة ..كيف واتته الجرأة ليخرق النمارق الحريرية ويلوث مجلس قائد الفرس بغبار فرسه!

وسأله من في المجلس: ما جاء بكم؟

فانطلق بلسان عربي: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله، قالوا: وما موعودُ الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.”

لطالما أبهرني ثبات (ربعيّ)-رضي الله عنه- …لطالما أبهرتني كلماته وعزته….
الدر واليواقيت والذهب في مجلس رستم لم يكن يراها هو سوى “ضيق الدنيا”….

الحرس والخدم في مجلس (رستم) لم يكونوا عند (ربعي) سوى “عبادة العباد” و “جور الأديان” ..

من أين لهذا البدوي ساكن الحجاز هذه العزة وتلك الجرأة… كيف استطاع أن يضع الدنيا في يده ثم يزدريها ويلقيها بعيدًا؟ 

إنه يعرف هدفه بوضوح …يعرف لم خرج من فيافي الحجاز إلى سهول الرافدين ..خرج لأن الله (ابتعثه)… هو رسول الله إلى ساسان ليخرج “من شاء (الله) من عبادة العباد إلى عبادة الله”…خرج ليحرر العباد من ربقة الأديان…إلى الحرية الحقة تحت مظلة الإسلام….خرج عزيزًا يحمل عقيدة قوية في دينه…

معاني العقيدة هي التي بثت العزة في قلوب صحابة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- العقيدة الصحيحة هي التي دعتهم للخروج من باديتهم لمواجهة الباطل حولهم…من منهم كان يتخيل في جاهليته أنه سيواجه إمبراطورية الفرس؟   لم يكن للعرب شأن قبل الإسلام ولم تلق لهم الروم وفارس بالًا…

كان جل حروبهم ونزاعاتهم حول مواطن السيادة على الماء والرعي…فغير الإسلام أهدافهم وأعاد توجيه بوصلتهم لتكون العقيدة مركز حياتهم…

ولأجل عقيدتهم أراقوا الدماء…وتعلموا فنون القتال وواجهوا القوى العظمى في زمانهم …

كانت (العقيدة) كلمة السر في الفارق الشاسع الذي أحدثه الإسلام في قلوب صحابة رسول الله-
صلى الله عليه وسلم …جيل العزة الذي نشر كلمة الحق شرقًا وغربًا….

ولأنها (كلمة السر)  كان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يبدأ في دعوته للإسلام  دومًا بغرس العقيدة ..أنظر إليه حين أرسل معاذ بن جبل-رضي الله عنه- يدعوهم للإسلام فأمره ناصحًا:

“إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ”
[ رواه البخاري (1458) ومسلم (19)]

…(كلمة السر)…واضحة وصريحة ….فليكن أول ما تدعوهم إليه….عبادة الله …ليكن أول ما تدعوهم إليه معرفة الله…ليكن أول ما تدعوهم إليه…توحيد الله ….ثم ..فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم كذا وكذا…

ولذا قال جندب بن عبدالله واصفًا التربية النبوية التي تلقاها هو وأصحابه..” تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ” رواه ابن ماجه (61)، وصححه الألباني….

وستبقى العقيدة (كلمة السر) التي يجب أن نبدأ بها في تربيتنا لأولادنا ولأنفسنا….

نبدأ بها اقتداء بطريقة الرسول وإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. طريقتهم كانت بناء الاعتقاد قبل الأمر بالعمل والنهي عن الحرام…طالما قرأنا في القرآن “..أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره” لطالما كانت هذه طريقتهم في الدعوة .

نبدأ بها ليكونوا عبادًا لله حقًا …تنفعل قلوبهم مع كلمة التوحيد وتفيض معانيها على سلوكهم وعباداتهم .ليكونوا مثالًا يعبر عن كلام الله: ” قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الأنعام:162)

نبدأ بها لأننا مأمورون بحمايتهم من النار ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ” (التحريم:6)  

نبدأ بها حماية لهم من دوامات الإلحاد…حماية لعقائدهم من أفكار الشرق والغرب التي تخطف عقولهم في أفلام الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو…

نبدأ بها ليرسموا بها حدود تعاملهم مع البشر والحجر…ليشكلوا بها تصوراتهم عن العالم والكون لنجيب عن أسئلتهم العقدية قبل أن تطفو على السطح..

نبنيها لنحميهم من الأفكار العقدية الوافدة التي تطل على عيونهم الصغيرة من شاشات الهواتف.

نبنيها في قلوبهم عقيدة صحيحة تعز بها نفوسهم ويعرفوا بها أن المسلم عزيز لا يأكل من فتات موائد الفكر ولا ينحني إلا لله…يقول بلسانه (الله أكبر) في كل صلاة ويعظم الله بها في قلبه  فتصغر أمامه الدنيا بزخرفها…ويحقر الطغيان بجبروته ..ويلجأ للكبير سبحانه القهار..

والحق أن ما نفعله في سياق تربية (جيل العزة) المنشود على العكس تمامًا من طريقة النبي-صلى الله عليه وسلم.
.بعض الآباء يبدأ مع أبناءه أول ما يعرفهم على الله بأمرهم بالصلاة …فيتأخر معهم في الحديث عن الله حتى تصبح العلاقة بين الصبي وبين الله حركات الصلاة ..

ويلتزم في تنفيذ “واضربوهم عليها لعشر” قبل أن يأمرهم لسبع…فيمتثل الصبي صاغرًا ليقيم الصلاة بحركات يميل بها رأسه ويقيم بها ظهره ولا أثر لها في قلبه …والنتيجة صلاة متقطعة في سني المراهقة..نفور من الأوامر.. هجران للعبادة.. أو ماكينة للعبادة لا تقيم لشرائع الله وأوامره بالًا في تعامله مع الناس..فيصلي ويكذب ..ويصلي ويسرق…ويصلي ويسيء إلى زوجته وأهله…

تشكل التربية الاسلامية كل كيان الإنسان . الخلقي والنفسي والاجتماعي و العقدي. وهي ليست قاصرة على تعليم العبادات فحسب بل تشمل كل المستويات الإنسانية وفي القلب منها تمامًا (كلمة السر) ..التربية العقدية.
كما أن التربية العقدية تختلف عن تعليم العقيدة 

فالتعليم يقتصر على  إيصال المعلومة إلى الأذهان لكن إنزال هذه المعلومة من كونها معارف  ذهنية إلى القلب إلىملك الأعضاء هي أطول مسافة في الدنيا …المسافة بين قلبك وعقلك …وهي الطريق الذي نسلكه في التربية العقدية ..

في القادم من مقالاتنا –إن شاء الله  نفصل في الحديث عن (كلمة السر) لبناء (جيل العزة)