إن للأمن معنى شاملٌ في حياة الإنسان ولا يتوفر الأمن للإنسان بمجرد ضمان أمنه علي حياته فحسب فهو كذلك يحتاج إلي الأمن على عقيدته التي يؤمن بها لذا كان الأمن بمفهومه الشامل هو أول أهداف النبي صلى الله عليه وسلم في بناء دولته فكانت صحيفة المدينة بمثابة الدستور و القانون الذي ينظم مجتمع المدينة المنورة فقامت على تحقيق الأمن والسلامة لجميع أفراد المجتمع مسلمين وغير مسلمين فربّى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جيلاً فريداً، وبنى أمّةً لا مثيل لها، متخطياً كلّ العقبات، ثابتاً أمام كلّ أنواع الأخطار، شامخاً بوجه كلّ هول، وذلك في كل مراحل الدعوة التي حمل لواءها منذ فجرها الأوّل

ومن بداية هذا الدستور إلي نهايته لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم شاردة ولا واردة إلا تحدث عنها ووضع لها ضوابطها التي تضمن التعايش السلمي بين المتعاهدين على هذا الدستور

فالأمن من مقاصد الشريعة الإسلامية فلقد جاءت الشريعة للحفاظ على الدين والنفس فكيف يُحفظ الدين والنفس في مجتمع لا يسوده الأمن والاستقرار والأمن من المقاصد الضرورية  ” لأنه لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقد لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين… ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل” 

ومن أجل استتباب الأمن جاءت الشريعة الإسلامية بالعقوبات الصارمة لكي يرتدع كل من تسول له نفسه زعزعة أمن البلاد أو ترويع الأفراد

فالهدف من إشاعة الأمن وتعليمه كان الحفاظ علي النفس وتقليل المخاطر إذ ليس من الممكن القضاء على المخاطر تماماً فأي عمل دعوي كان أو جهادي لابد له من جهاز أمني يتخذ الإجراءات الأمنية اللازمة في سبيل حماية عناصرة وممتلكاته 

وكما يقول الشيخ أبو زبيدة” أن أي عمل ليس عنده أساس أمني قوي فهو محكوم عليه بالفشل”

قاعدة العمل الأمني:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا” سورة النساء.

فالله سبحانه يأمر عباده المؤمنين بأخذ الحذر الدائم في السلم أو في الحرب   والمسلم اليوم أحوج ما يكون أن تكون تلك القاعدة هي المرتكز الأول الذي ينطلق منه 

وقال الإمام ابن عاشور في تفسيره ” ابتدء الله جل وعلا بالأمر بأخذ الحذر لأن الحذر والحيطة من أهم قواعد القتال ولكي يتقي خُدعَ العدو فإن العدو يتربص بالمسلمين الدوائر” 

ومن تتبع السيرة النبوية العطرة على صاحبها الصلاة والسلام لعلم يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من الحذر والحيطة منهجٌ لا يغفل عنه في حركاته وسكناته فكان يتّبع نهجاً أمنياً كاملاً متكاملاً في كل مراحل الدعوة الإسلامية، فلكلّ مرحلةٍ, ظروفها وأسلوب التعامل معها ولم يتخل النبي عن نهجه الأمني في أي مرحلة من مراحل الدعوة لأن الأمن كان حاجةً لا يمكن السير بغيرها في طريق الدعوة، منذ فجرها الأول

ولعل حادثة الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة تضرب أروع الأمثلة على أسلوب التخطيط الأمني البارع الذي كان ينتهجه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا التخطيط المحكم ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم التواكل وعدم الأخذ بالأسباب فكان من الممكن أن يستند النبي على التأييد الرباني دون الأخذ بالأسباب ولكن الحبيب المصطفى أراد أن يعطي أمته درساً ويعلمهم أنه لابد من بذل الأسباب ولا بد من التخطيط بعد التوكل على الله تعالى 

فلم يزهد النبي وصاحبه من أخذ إجراءات الحيطة والحذر حتى يغيبوا عن أنظار كفار قريش وهذا الزهد والتواكل كلف الحركات الإسلامية الجهادية الكثير من الدماء والكثير من العمليات التي لم تنفذ والكثير الكثير من الأسري بسبب تواكل فرد وعدم أخذه بالاجراءات الامنية المطلوبة فالأمن منظومة متكاملة إذا ضرب منها جزء أثر على المجموعة ككل.. 

 “فعلى سبيل المثال لا الحصر مجموعة من الإخوة المجاهدين في فلسطين خرجوا في مهمة وكان من إجراءات الأمان في هذه المهمة هي لبس كفوف حتى لا تبقى لهم بصمات ولا يتركوا لهم أثر بعد إنتهاء العملية فتكاسل أحد الإخوة عن لبس الكفوف وسقط منه مشط البندقية أثناء تبديله وعليه بصماته وبعد انتهاء العملية التقط الصهاينة المشط، وبعدما فحصوا البصمات عرفوا هوية المجاهد وتتبعوه واكتشفوا باقي أفراد المجموعة واعتقلت المجموعة بسبب إهمال بسيط”.

 فالتدابير الأمنية لا تعني الخنوع، وإنما هي عمل مقترن بحذر، كما قال ربنا: (خُذوا حذركم فانفِروا)، فلا بد من العمل كما أَمَرَنا الله في كتابه وعلى لسان نبيه، وعملُ المجاهد –بطبيعة الحال- لا يخلو من مخاطرة،وليس معنى الحذر والحيطة أن نقصر ونترك العمل و نتخاذل عن نصرة دين الله بسبب الأمن الزائد نعم الأمن الشخصي مقدمٌ على العمل وأختم بما قاله الشيخ عبدالله عزام “جلب المال يسير ولكن جلب الرجال عسير”