الصلاة ركن من أركان الدين .. و”الفاتحة” ركن من أركان الصلاة .. ولب “الفاتحة” سؤال الله تعالى: الهُدَّى إلى الحق

وابتغاء الهُدَّى ونشده، محور حياة، وحالة دائمة لازمة، ما تفتأ تؤكدها كلما وقفت بين يدي الله (17 مرة على الأقل في اليوم والليلة)، بدعائك إياه: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” [الفاتحة : 6].

ولكنك إذا فتحت مصحفك فقرأت “الفاتحة”، أم الكتاب، وأولى صفحات المصحف الشريف؛ ثم انتقلت ببصرك إلى الصفحة التالية، تجد في تواصل وتقابل لافت، ما يبدو وكأنه إجابة لهذا الدعاء: ” الۤـمۤ * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” [البقرة : 1-2] ..

إن طلب الهُدَّى، الذي يُستفتح به كتابنا، ونستفتح به صلاتنا؛ يصبح أكثر إلحاحًا عند المِحَن، والفتن، والنوازل، والملمات؛ عندما تهطل الخطوب، وتهبط الهمم، وتتردى القمم، وتعشى الأبصار، وتغشى البصائر .. تصبح المبادرة إلى القرآن؛ في طلب الهُدَّى واجبة.

وفي القرآن؛ نجده (سبحانه) (وربما هي من جملة رحمته التي قرنها بالهُدَّى في أكثر من موضع منه) قد جمع في كمال يليق بكتابه، بين تعاليم المنهج، وأحكامه، وتوجيهاته بـ “افعل” ولا “تفعل”، وبين تطبيق ذلك المنهج. بين ما يجب أن نعلم (العلم)، وبين كيف نعمل (العمل). لأن منهج الإسلام علم وعمل، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: أنت تعلم لكي تعمل، وأنت تعمل بمقتضى ما تعلم. وقد ذكر “بن القيم” (رحمه الله) في بيان قوله تعالى: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ” [الفاتحة: 6-7]، أنه يتضمّن بيان طرفي الانحراف عن الصّراط المستقيم، حيث الأول انحراف موجب للغضب؛ سببه فساد العمل، والآخر انحراف موجب للضلال؛ سببه فساد العلم. بهذا كان الطريق المستقيم، والمنهج القويم، هو الذي يجمع بين صلاح العلم، وصلاح العمل. 

ولهذا ساق الله تعالى في كتابه الجانب التطببيقي أو العملي في صورة “ قَصَصُ”. صور حية من حركة الحياة تُمثل البيان والتطبيق العملي لمنهج الإسلام. زخر بها القرآن الكريم، حتى حازت ثلثه. 

و”القَصَصُ”، لغةً: مِنْ قَصَّ أثره إي تتبعه، ومنها قوله تعالى: “فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا” [الكهف : 64]، ومنها قوله تعالى: “وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ” [القصص : 11] أي تتبعي أثره، على هذا فالقص هو تتبع ما حدث بالفعل. 

وبهذا يختلف القَصَص القرآني تمامًا عن القالب الأدبي الحديث الذي يطلق عليه “قِصَّة”، وجمعه “قِصَصَ” (بكسر القاف)، وهو ما لا يخلو من اطلاقٍ لخيال المؤلف، يرسم شخوصه، ويسير أحداثه.

والقصة الأدبية هي أولاُ وأخيرًا للتفكه، والاستمتاع. فإذا عرض الكاتب بها معنى، وإذا استطاع القارئ أن يستخلص منها معنى، ومهما كانت هذه المعانى قيمة، فهذا أمر جانبي، وليس رئيس.

والقصة الأدبية تعرض القصة  كاملة في سياق يتصاعد بالأحداث إلى ذروتها حتى يصل إلى الخاتمة، في اطار تلبية رغبة القارئ في التفكه والاستمتاع.

كذلك يختلف القصص القرآني عن السرد التاريخي الذي يرتب الأحداث وفقًا  لتسلسلها الزمني.

فالقَصَص القرآني يأتي بعيون القصص في بابها، مهمِلاً زمنها وتاريخها، ثم يَعرض أزكى مواضيعها، ويُعرض عما دونها. مقتطفًا لمواضع الحكمة فيها، وقد يتكرر هذا الاقتطاف أكثر من مرة، فتكون المقتطفات موزعة كلٌ في سياق يناسبه، بغرض البرهان والبيان. 

بهذا يتفرد القَصَص القرآني بسمت خاص، متنزهًا عن السرد القِصصي بغرض التفكه والتسلي، وعن السرد التاريخي بغرض الترتيب والتقصي، ويضع لنفسه سمتًا جديدًا فريدًا غرضه العبرة والعظة.

فالقصص القرآني هو “أَحْسَنَ الْقَصَصِ” [يوسف : 3]. لأنه من لدن العليم الحكيم “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ” [يوسف : 3]، ولأنه “ٱلْقَصَص ٱلْحَقُّ” [آل عمران : 62]، حصرًا وتأكيدًا، “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا” [النساء : 87]، “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا” [النساء : 122]، ولأنه أنفع القصص “وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ” [هود : 120].

ولعلك تتلمس الحكمة من وراء اختيار القرآن لأسلوب القَصَص، على الجانبين العقلي، والوجداني  ..

فعلى الجانب العقلي .. استطاعت القَصَص أن تقدم الجانب العملي والتطبيقي للمنهج الإسلامي، وكانت بيانًا للمعاني المجردة، وبرهانًا على تأهل هذه المعاني للتطبيق والتنزيل على واقع الناس في حياتهم.

وعلى الجانب الوجداني .. كان اختيار القالب الذي تميل إليه النفس، ويكون أكثر جذبًا لها. فالناس بفطرتهم مولعون بالقصص، يسوقهم الشغف إلى متابعة وقائعها، وتطور أحداثها، إلى حد الاندماج مع هذه الأحداث والاتحاد مع شخوصها، ويكونون لها صور ذهنية حية في خيالهم. ومع القصص تتسرب المعاني بسهولة ويسر إلى وجدانهم، وتترسب في نفوسهم. وتستطيع القصص في غالب الأمر أن تنفذ إلى عقول وأفهام من البساطة، بما يجعل الوصول إليها صعبًا؛ وهو ما لا يتأتى للأسلوب السردي لهذه للمعاني مهما كان جزلاً بليغًا.

فكان أن أصبح بين أيدينا كنزًا لا ينفذ، ومعينًا لا ينضب، من الحكمة والعِبرة، وتجارب التدافع بين الحق والباطل على طول صراعهما، وخريطة دقيقة لمعالم النفس البشرية؛ بأنماطها المختلفة، وطبيعة المجتمعات البشرية؛ ودواعي سلوكياتها!

والهدف من القَصَص القرآني يجمله ويوجزه قوله تعالى: “وكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ” [هود : 120]

فقد شاء الله تعالى أن يُطلع نبيه، ومِن وراءه أمته، على أخبار من سبقهم من الأمم السالفة، لأنه (صلى الله عليه وسلم) وأمته استمرار لحركة سير دعوة الإسلام؛ ولأنه ليس بدعًا من الرسل، ولأن سنن الله في خلقه لا تتبدل ولا تتعطل، فإنه تعالى أراد أن يثبت رسوله؛ ويثبتنا، باطلاعنا على ما كان من أخبار الرسل السابقين؛ ومن آمنوا معهم: فيقول جل وعلا: :”ولقد كُذِبتْ رسلٌ مِن قبْلِك فصبروا على ما كُذبوا وأُوذوا حتى أتاهم نصرُنا ولا مبدِّلَ لكلماتِ اللهِ ولقد جاءَكَ من نبأِ المرسلين” [الأنعام: 34]. ويقول: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” [البقرة : 214]، ويقول: “حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ” [يوسف: 110 – 111].

وسبحان الله العظيم، فإن الهُدَّى الذي ننشده يخبرنا ربنا أنه في “قَصَصِهِمْ”:

“لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” [يوسف: 111].

ففيها عبرة .. كان القَصَص القرآني حريصًا على اقتطافها خالصة، بغير اعتبار لزمان أو مكان، وغالبًا بغير أسماء ولا أنساب. فقط العبرة؛ الصالحة لكل زمان ومكان، ولكل إنسان يستطيع أن يلتقطها من أولي الألباب والأفهام. ولأنها لم تكن حديثًا يُفترى ويًختلق، بل هى الحق من الله الحق، لم يخالطها كذب، أو يجنح بها خيال، فيحق بها الاعتبار.

وهدَّى ورحمة لقوم يؤمنون.