سار سيدنا عمر إلى منزل ابن عمه سعيد، كان بداخل المنزل سعيد وخباب بن الأرتّ وفاطمة زوج سعيد، فلمّا سمعوا صوت عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، وجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال : ما هذه الهينمة (الكلام غير الواضح)؟ قالا : ماعدا حديث تحدثناه بيننا(سيرة ابن هشام، ج1، ص:344).. وهنا يمكن أن التعرف علي ما يلي: ‏

  1. سرعة وسلامة التصرف حيال الطوارئ : ‏سرعة التصرف وعدم الارتباك من الأمور الهامة والضرورية، لتفادي الحالات الطارئة، التي قد يتعرض لها أهل الدعوة، فمتى ما كان التصرف سليمًا وسريعًا، أمكن تفادي الخطر، وكانت النتائج إيجابية غالبًا.‏ لذا كان تصرف المجموعة الدعوية المكونة من سعيد، وخباب، وفاطمة، سريعًا وسليمًا، حيث تغيب خباب في المخدع، وأخفت فاطمة الصحيفة، وتصدى سعيد لمقابلته وفتح الباب له، وذلك عندما علموا أن القادم عمر، وما أدراك ما عمر؟، المعروف بشدته ضد الدعوة والدعاة.‏
  2. إخفاء الأثر من العدو: ‏إخفاء الأثر من العدو، أمر لابد منه، فالأثر كالخيط والدليل الذي يقود الأعداء إلى مبتغاهم، لذا يجب إخفاء وإزالة أي أثر يمت إلى الدعوة، أو المدعوين بصلة، وهذا ما فعلته فاطمة رضي الله عنها حين جعلت الصحيفة تحت فخذها، وهو موضع لا يتطرق إليه الشك، وبالتالي تكون قد أخفت وثيقة خطيرة عن أعين عمر بن الخطاب، بالرغم من أن عمر اطلع عليها فيما بعد، ولكن العبرة بالتصرف السليم في إخفاء الأثر.‏
  3. اختفاء خباب رضي الله عنه: ‏إن اختفاء خباب رضي الله عنه، لم يكن عن جبن أو خوف، بل هو تصرف أمني تمليه ظروف الزمان والمكان، ويتطلبه الموقف، فإذا وجد سيدنا عمر خباب مع سعيد وفاطمة، فإن هذا يؤدي إلى كشف معلومة خطيرة وبالغة الأثر على سير الدعوة في مثل هذه المرحلة، حيث كان خباب يقرئ سعيدًا وفاطمة القرآن، وهي خطة وضعت لتعليم المسلمين في تلك الظروف الصعبة، فإذا علم سيدنا عمر بذلك أخبر قريشًا، وربما نتج عن ذلك مراقبة دقيقة لمنع مثل هذا النوع من الاجتماعات، وبالتالي تخسر الدعوة وسيلة هامة وفعالة في تعليم المستجيبين.. وحتى لا يتحقق ذلك، اختفى سيدنا خباب رضي الله عنه.‏
  4. خفض الصوت أثناء الاجتماع: ‏لقد كان سيدنا خباب يقرئ سعيدًا وفاطمة القرآن بصوت منخفض، لدرجة أن الذي بالباب لم يستطع أن يتبينه، حيث وصفه سيدنا عمر (بالهينمة) ¬وهي صوت كلام لا يفهم¬ وهذا تصرف أمني ضروري.‏
  5. التعريض والتورية: عندما سأل سيدنا عمر عن الصوت غير المفهوم، كانت الإجابة بعبارة تحمل في ظاهرها خلاف ما يريده قائلوها، وهذا نوع من التورية، فهم لم ينكروا أن هناك صوتًا، بل اعترفوا بأنه حديث دار بينهم، وهو حس أمني عال لسعيد وفاطمة، فعادة الحديث الذي يدور بين اثنين يكون بصوت منخفض، لا يميزه من يكون على مقربة منهم، لذا يمكن أن يوصف بالهينمة. فهم لم ينكروا، وإلا لتأكد لعمر أنهم يكذبون ويخفون عنه الحقيقة، وذلك لسماعه الصوت، لكنهم اعترفوا دون أن يصرحوا بما في أنفسهم، وهو نوع من التعريض، المطلوب في مثل هذا الموقف.‏
  6. استثمار الفرصة لكسب العدو: ‏يظهر ذلك عندما طلب سيدنا عمر من فاطمة أن تعطيه الصحيفة، فاستغلت فاطمة الفرصة السانحة، فطلبت منه أن يغتسل، ففعل، ثم قرأ، فخشع قلبه، وهنا خرج سيدنا خباب بعد أن سمع ثناء سيدنا عمر على القرآن، فاستغل ذلك الموقف، فقال : أبشر يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام)، فالله الله يا عمر(السيرة الحلبية، ج1،ص:36). من ذلك يتضح مدى اليقظة التي كان يتمتع بها كل من خباب وفاطمة، والقدرة على اغتنام الفرص، لكسب العدو، وكان نتاج ذلك أن أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه.‏