يوجد نقاش وجدال في أوساط خبراء دراسات الحروب الأهلية والصراعات غير المتماثلة حول دوافع وسياقات تحول الجماعات المسلحة إلى جماعات سياسية تنخرط في مؤسسات الدولة السياسية مثل المجالس النيابية والمحلية، والمقاعد الوزارية. وتداعيات وتأثيرات المشاركة السياسية علي الرؤيا الاستراتيجية للجماعات المسلحة. وسأتناول هذه القضية الشائكة من خلال استعراض ما طرحته الباحثة ورئيسة قسم تخطيط السياسات في مكتب الأمين العام لحلف الناتو “بيديتا بيرتي” في دراستها “الجماعات المسلحة كأحزاب سياسية” المنشورة في دورية (دراسات في الصراع والإرهاب).

المنظور السائد

فمن ناحية، ينظر بعض الخبراء إلى الجماعات المسلحة والأحزاب السياسية باعتبارهما يمثلان نقيضان متعارضان في المشهد السياسي. وذلك من منظور أن الجماعات المسلحة تعرقل وتعيق العملية السياسية الديمقراطية، في حين أن الأحزاب السياسية تمارس أنشطتها في إطار تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون. ويتعامل هذا النهج مع المشاركة السياسية للجماعات المسلحة على أنها علامة على تحول الجماعات في المستقبل من كونها تنظيمات مسلحة لتصبح كيانات سياسية تقر بشرعية النظام السياسي الحاكم. وأنه بغض النظر عن النوايا الاستراتيجية للجماعة المسلحة عندما تقرر الانضمام إلى النظام السياسي، فإن مشاركة الجماعة في المؤسسات السياسية تقودها تدريجيا وبشكل متزايد إلى التحول لتصبح جماعة سياسية مثل بقية الكيانات السياسية.

ويرى أصحاب هذا المنظور أن مشاركة الجماعة المسلحة في المؤسسات السياسية هي دليل ظاهر على أن تلك الجماعات صارت تعتبر المؤسسات السياسية هي الإطار الشرعي الوحيد للتنافس السياسي والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، وفي هذا الإطار يُعتبر العنف نتاجا ثانويا لإقصاء الجماعات المسلحة عن الوصول إلى مراكز صنع القرار والسلطة في النظام السياسي، وبمجرد أن تُفتح أبواب النظام ويُسمح بالمشاركة، فإن الجماعات المسلحة ستختار المشاركة في العملية السياسية، وهذا بدوره سيدفع بها إلى إتباع وسائل سياسية بدلا من العمل المسلح، وبهذا المعني يُنظر إلى صندوق الاقتراع على أنه “نعش الحركات الثورية”.

وبناء علي ذلك، فالجماعات المسلحة بمشاركتها في العملية السياسية وخضوعها للمساءلة أمام الناخبين وغيرهم من الجهات السياسية الفاعلة، تقل احتمالات اعتمادها علي الوسائل العنيفة، وتصبح أكثر ميلا لضبط وتقييد استخدام العمل المسلح بين صفوف عناصرها. وأنه إدماج جماعات المعارضة المقصاة سابقا من النظام السياسي يمكن أن يوجد لديها شعورا بأحقيتها في التواجد داخل النظام، فتصبح أكثر اهتماما بالحفاظ على ذلك الحق وأكثر حرصا على إقامة علاقات إيجابية مع الجهات الفاعلة السياسية الأخرى. كما أن المشاركة في المؤسسات السياسية تدفع باتجاه تمكين القيادة السياسية “المعتدلة” للجماعة المسلحة، حيث ستكون تلك القيادة المعتدلة بدورها قادرة على تحريك مسار الجماعة نحو الاعتماد حصرا على وسائل غير عنيفة.

تحدي المنظور السائد

من ناحية أخرى، يتحدى عدد من الخبراء الحجج المذكورة أعلاه، ويرون أن المنظور السائد بخصوص دوافع وتأثيرات المشاركة السياسية للجماعات المسلحة تشوبه عيوب خطيرة.

ومن أبرز الحجج التي يرددها مخالفو المنظور السائد:

  • أولا، إن التعامل مع  المشاركة السياسية كوسيلة فعالة لردع الجماعات المسلحة عن الانخراط في العمل المسلح يفترض خطأً أن هذين الشكلين المختلفين من أشكال النضال السياسي يضاد أحدهما الآخر. ويرون أنه علي النقيض من ذلك، يظهر التاريخ اتجاها للتقارب المتكرر بين الأنشطة العنيفة والأحزاب السياسية، ويظهر علاقة منهجية ومتبادلة بين التنظيمات المسلحة والسياسية. 
  • ثانيا، إن الافتراض بأن المشاركة السياسية تشكل منفذا بديلا للكفاح المسلح، يتجاهل الأدلة الواقعية التي تربط النشاط المسلح والعنيف ببعض النظم السياسية ذات التوجهات الديمقراطية.
  • ثالثا، إن الادعاء بأن المشاركة الإيجابية في النظام السياسي تؤدي إلى تحول تدريجي للجماعة المسلحة وصولا إلى تبنيها للنشاط السياسي التقليدي، فشل في تفسير حقيقة أن الجماعات المسلحة يمكن أن تنضم إلى النظام السياسي بل وتقوم بدور الجهات الفاعلة السياسية الرئيسية دون الاضطرار بالضرورة إلى التخلي عن كفاحها العنيف أو الخضوع لتحول استراتيجي.

وتفترض بينديتا بيرتي أن التوزيع الداخلي للقوة داخل الجماعة المسلحة، ونوع العلاقة القائمة بين الجناح السياسي للجماعة وجهازها العسكري هما متغيران رئيسيان في فهم ما إذا كانت الجماعة تتجه نحو تحول سياسي أم لا.

وبخصوص العلاقة بين الجناحين السياسي والمسلح للجماعة، يمكن تحديد ثلاثة أنواع من العلاقات:

  1. حالة من التعاون والتكامل الاستراتيجي. حيث تكمل إجراءات الجناح المسلح والجناح السياسي بعضها بعضا. وهذه الحالة هي الأقل قابلية لاحتمال حدوث تغيير جذري في التنظيم، حيث إن المنطقين المؤسسيين لتسوية الخلافات والمقاومة يندمجان في استراتيجية الجماعة مما يخلق توازنا بين الجناحين.
  2.  حالة تتسم بالتنافس والصراع. حيث المنطق المؤسس للعمل المسلح والتسوية السياسية يتصادمان ويتنافسان، ويستبعد كل منهما الآخر. ومن المرجح أن تنشأ المنافسة في حالة ندرة الموارد المتاحة، مما يدفع الجناحين السياسي والمسلح إلى الصراع من أجل تخصيص الموارد. وبمجرد أن يتم اعتبار منطق التسوية السياسية ومنطق الكفاح المسلح منفصلان عن بعضهما البعض فمن المرجح أن تتجه الجماعة نحو تغيير جذري.  ويمكن أن يتحول ميزان القوى الداخلي نحو الجناح السياسي إذا كان يمتلك درجة عالية من الاستقلال الذاتي والقدرة على قيادة التغيير الداخلي إلى جانب الشرعية التنظيمية. ومع ذلك، فبدون وجود بنية سياسية منفتحة في النظام السياسي للدولة الذي تواجهه الجماعة، فمن غير المرجح أن يبرهن خيار الجناح السياسي على قوته بما يكفي للتغلب على استراتيجية الكفاح المسلح.
  3. . حالة مختلطة، توفر فيها إجراءات أحد الجناحين الدعم لأنشطة الجناح الآخر، في حين أن الإجراءات التي يتخذها هذا الاخير تنتقص من قدرة الجناح الأول على العمل بنجاح.

وخلاصه طرح أصحاب هذا النهج، أنه ليس هناك يقين قطعي بأنه بمجرد تشكيل جناح سياسي، وبدء مشاركة الجماعة المسلحة في المؤسسات السياسية، ستحدث بالضرورة “تسوية سياسية” ونزع للسلاح. وأنه في حالة وجود تنافس بين الجناحين السياسي والعسكري وصولا إلى حدوث تضاد بين المنطق المؤسس للكفاح المسلح والنضال السياسي، ستصبح الجماعة المسلحة مهيأة بشكل مناسب لحدوث تغيير جذري. وفي ذلك الوقت سيمتلك الجناح السياسي فرصا أكبر لإثبات هيمنته على الجناح العسكري مع مراعاة طبيعة الفرص السياسية المواتية والبيئة المحيطة.