منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013 ، والجيش يسعى لبسط مزيد من السيطرة على اقتصاد البلاد، فامتدت يده لقطاعات الإنشاءات والمواد الغذائية والطرق والجسور وتصنيع مكيفات الهواء وتوريد الأدوية للجامعات؛ ما يعني أنه بات متوغلاً في كل القطاعات.

ومن بين تلك القطاعات التي شهدت توغلا شديدا للجيش، قطاع الصحة، بدءا من تعيين قيادات عسكرية، بالمناصب القيادية في الوزارة، مرورا بالتدخل في صناعة المستلزمات الطبية وإنشاء كلية الطب العسكري حتى الاستيلاء على المستشفيات والسيطرة على الأدوية.

عسكرة المناصب القيادية

عسكرة قطاع الصحة في مصر بدأت منذ وقت طويل بعسكرة المناصب القيادية، حيث تم تعيين الكثير من الضباط واللواء المتقاعدين العسكريين في وزارة الصحة منذ عام 2013 حتى الآن.

ومن أهم الشخصيات التي تم تعيينها  اللواء محمد فتح الله وهو طبيب التخدير بالقوات المسلحة ليتولى منصب مدير مستشفى شرم الشيخ الدولي، في 29 يونيو 2013، إبان احتجاز الرئيس المخلوع حسني مبارك بالمستشفى على ذمة القضايا التي وجهت له بعد ثورة يناير، وكأن محمد فتح الله جاء في تلك الفترة لتلك المهمة فقط، فلم يبق بمنصبه سوى أربعة أشهر فقط حتى، 25 نوفمبر 2013، ثم تمت ترقيته إلى رئيس قطاع مكتب وزير الصحة.

وفي مارس 2017، أصدر وزير الصحة والسكان حينئذ، الدكتور أحمد عماد الدين راضي، قرارا بتعيين ثلاثة من ألوية الجيش والشرطة في مناصب قيادية بالوزارة، والتي كان يشغلها مدنيون سابقا.

وعين اللواء أحمد زغلول مهران، مساعدًا لوزير الصحة للاتصال السياسي والشؤون الأمنية، كما عين اللواء أحمد بليغ الحديدي، رئيسًا للادارة المركزية للشؤون الإدارية لديوان عام الوزارة، وكلاهما من الجيش المصري، كما قرر تعيين لواء الشرطة، سيد الشاهد، مساعداً للوزير للشؤون المالية والإدارية، كما عين اللواء هشام عبدالرؤوف مساعدا للوزير للرعاية الأساسية.

 كما صدر قرار بوزارة الصحة بتعيين مديري المستشفيات النموذجية (48 مستشفى) من ذوي الخلفية العسكرية.

وتحرم سياسة العسكرة العاملين المدنيين من الترقيات، وتتسق مع رغبة النظام المصري في السيطرة على كل مفاصل الدولة والمؤسسات بشكل مباشر.

وإضافة إلى سيطرة القيادات العسكرية على المناصب القيادية المدنية، يتم تعيين القيادات الوسطى من رتبة العمداء المتقاعدين في الوظائف الإدارية في المؤسسات والمحافظات، وهو ما تنامى مؤخرا عبر سيطرة شركة “كوين سيرفس” على الخدمات الأمنية في المستشفيات والمدارس وعدد كبير من مقار الوزارات.

أيضاً هناك السيطرة على وزارة الصحة من خلال تعيين القيادات العسكرية المتقاعدة كمساعدين لوزير الشئون المالية والإدارية بالتحديد، أيّ السيطرة على الموازنة وكل موارد وزارة الصحة والتحكم في المشروعات والمناقصات والإنفاق، وعسكرة الطابع الإداري للوزارة بتصدير مفاهيم الضبط والربط.

يؤثر وجود العسكر في المؤسسات المدنية سلباً على وضع الموظفين من العامة، إذ يقلل نسبة حصولهم على ترقية أو تقدمهم في السلم الوظيفي ويشعرهم بأنهم موظفون من المرتبة الثانية وليس لهم الحق في الإدارة أو قدرة على تحمل المسؤولية.

ومما زاد احتقان العاملين سوءاً فرق الأجور وارتفاع رواتب القيادات العسكرية لما يتقاضونه من مبالغ ضخمة تصل إلى 15 ألف جنيه في الشهر، بينما لا يتعدى راتب الموظف العادي 1500 جنيه.

أزمة لبن الأطفال

وظهرت هيمنة العسكر على قطاع أثناء أزمة ألبان الأطفال في سبتمبر عام 2016 حيث كان سعر العبوة المدعمة حكوميا 17 جنيها وفي السوق الحرية بـ 60 جنيها، حتى أعلنت القوات المسلحة طرحها بـ30 جنيها.

وبحسب قتاة سي إن إن الأمريكية، فقد قام الجيش المصري باستيراد ما يقارب 30 مليون عبوة حليب مدعياً رغبته في بيعها بأسعار أقل من السوق، مما خلق انتقادات واسعة لتدخل الجيش في الحياة العامة للمواطنين المصريين، فقد أثار هذا الحدث جدل واسع في الشارع المصري ويعتبر بداية التغلغل المباشر للجيش في هذا القطاع.

وعبرت أزمة لبن الأطفال عن كيفية دخول الجيش لمنافسة الشركات الأخرى، حيث بدأت الأزمة بغضب شعبي من وزارة الصحة بعد تقليل منافذ بيع ألبان الأطفال المدعمة التي يعتمد عليها الكثير من المصريين في تغذية أطفالهم، وكذلك بعد أن رفعت الوزارة ثمن العبوات لأكثر من الضعف، وبدأ تدخل الجيش عبر بيان عسكري ينتقد ارتفاع أسعار العبوات، ليمهد بذلك تدخله لاحقا في عمليات استيراد عبوات اللبن، بعد أربعة أشهر من انتهاء الأزمة أنه سيتم إنشاء مصنع لإنتاج لبن الأطفال بالتعاون مع وزارة الصحة.

المستلزمات الطبية

 وصل تدخل الجيش في قطاع الصحة إلى المستلزمات الطبية، حيث تم التعاون في مجال التصنيع من خلال وزارة الدولة للإنتاج الحربي، وتعددت المشاورات ومذكرات التفاهم في الأعوام الثلاث الماضية بهدف إنشاء مصانع للسرنجات، ومشتقات الدم، وأدوية الأورام، وسيارات الإسعاف.

كما تم التعاون مع إدارة الخدمات الطبية بالقوات والتي هيمنت على مناقصة شراء المستلزمات الطبية الموحدة لكل مستشفيات الصحة والتعليم العالي والشرطة إلى جانب القوات المسلحة – وأهمها مناقصتي بيرلين وشرم الشيخ 

وفيما تعلق باحتكار مناقصات الأجهزة والمستلزمات الطبية ففي 30 ديسمبر 2015 تم توقيع برتوكول تعاون مع الإنتاج الحربي لإنشاء مصنع سرنجات، وفي 22 مايو 2017 الإعلان عن إنشاء الشركة الوطنية للأدوية بالتعاون مع الإنتاج الحربي وشركات خاصة، وفي 15 أكتوبر 2016 توقيع برتوكول تعاون بين الصحة والإنتاج الحربي وشركات خاصة لإنشاء مصر للمحاليل الطبية.

وفي منتصف 2016 تم توقيع صفقة في سفارة مصر بألمانيا عرفت بصفقة برلين، كما تم توقيع أول مناقصة موحدة للمستلزمات والأجهزة الطبية تجمع وزارات الصحة والتعليم العالي والشرطة والقوات المسلحة تحت إشراف إدارة الخدمات الطبية التابعة لهيئة الإمداد والتموين بالقوات المسلحة.

وفي نوفمبر 2017 عقدت الإدارة العامة للخدمات الطبية بالقوات المسلحة مناقصة لتوريد مستلزمات طبية لمستشفيات القوات المسلحة والصحة والتعليم العالي والشرطة بمدينة شرم الشيخ وفتحت المجال لـ25 شركة تعمل في السوق المصري فقط من بين 230 شركة متخصصة بصناعة الأجهزة الطبية.

كلية طب عسكري وسيارات إسعاف 

في ظل الانقلاب العسكري قامت القوات المسلحة بإنشاء كلية طب عسكري، وهي ظاهرة جديدة وغريبة كانت في البداية كإشارة إلى اتجاه إلى عسكرة قطاعي الصحة والتعليم معا، حيث لا يزال الهدف الأساسي من بنائها غريباً ومجهولاً.

ووقع السيسي الذي كان رئيساً للقوات المسلحة حينها عام 2013 بالتصديق على إنشاء أول “كلية طب عسكري” تابعة للجيش، على أن يكون التقدم للكلية سيكون من خلال مكتب تنسيق الكليات العسكرية، وقد تم تخريج أول دفعة هذا العام.

وفي 19 يناير 2017 وقعت القوات المسلحة مع وزارة الصحة وشركة خاصة مذكرة تفاهم لإنشاء أول مصنع لإنتاج سيارات الإسعاف في مصر، وفي 6 ديسمبر تولت وزارة الإنتاج الحربي ميكنة مشروع التأمين الصحي.

الاستيلاء على المستشفيات 

 كذلك سعى الجيش في مصر إلى بسط يده على أجزاء من قطاع الصحة والمستلزمات الطبية والدواء، لتوسيع نشاطها الاقتصادي الذي امتد إلى غالبية القطاعات المدنية، حيث يمتلك الجيش نحو 45 مستشفى ومركزا طبيا وعيادة، في 16 محافظة، معظمها في  القاهرة، وفق موقع وزارة الدفاع المصرية الإلكتروني.

 أما عن مصير المستشفيات التي استولت عليها الحكومة من جماعة الإخوان المسلمين،فقد تم إسناد مناقصاتها وكذلك مستشفيات الجامعة للقوات المسلحة واستكمال تجهيز مستشفياتها.

ودخلت عدد من مستشفيات القوات المسلحة ضمن منظومة السياحة العلاجية بمصر، وذلك ضمن بعض المستشفيات ذات المعايير والمواصفات، والجودة العالمية التي تدخل “المنظومة”.

ومن بين تلك المستشفيات المعادي العسكري، والجوي التخصصي، وكوبري القبة، والجلاء، ومركز الطب العالمي، ومصطفي كامل بالإسكندرية، والنوبة، والسلوم، بالإضافة لمستشفى وادي النيل، بالإضافة لمستشفيات شرم الشيخ الدولي، وزايد التخصصي، ودار الشقاء، والأقصر الدولي، وأرمنت، وأسوان، ومركز أورام أسوان للعمل في تلك المنظومة.

كما تقوم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بإنشاء وتطوير 540 وحدة صحية منذ الانقلاب وإنشاء وتطوير 21 مستشفى بتكلفة تتجاوز 3 مليارات 400 مليون جنيه

السيطرة على الأدوية

بدأ الأمر في يناير 2017 حيث نشرت الجريدة الرسمية المصرية قرارا أصدره رئيس مجلس الوزراء يرخص للجيش المشاركة في تأسيس شركة للمستحضرات الدوائية، وقد جاء هذا القرار في ظل أزمة في الأدوية تواجهها مصر منذ شهور، إذ رفعت الحكومة أسعار العديد من الأدوية بعد أشهر من المفاوضات مع شركات إنتاج الدواء المتضررة من أزمة العملة.

وينفي الجيش ما تداولته بعض وسائل الإعلام من أنباء تتعلق بامتلاك الجيش لسلسلة من الصيدليات، وذلك على خلفية قرار الحكومة بإيقاف ترخيص سلسلتين للصيدليات في مصر، بدعوى ارتكاب ملاك تلك الصيدليات لمخالفات إدارية.

وقد تسبب القرار في حالة من اللغط، خاصة أن هذه الصيدليات توفر الدواء لملايين المرضى في جميع المحافظات من خلال أكثر مئات الفروع.

من جهة أخرى، أعلن جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، استيراد أدوية لمشتقات الدم والكبد، بتكلفة 35 مليون دولار، عبر عقد مع شركة قطاع خاص محلية،وذلك بدعوى حل أزمة أختفاء بعض الأدوية الحيوية المعالجة للسرطان والتخدير ومشتقات الدم والكبد، والبالغ عددها 146 صنفاً.

وبعد السيطرة على الواردات في قطاع الأدوية، الذي يواجه نقصا حادا، حصلت الهيئة القومية للإنتاج الحربي على موافقة الحكومة في يناير 2017 على انشاء مصنعها الخاص ثم فتح سلسة من الصيدليات التابعة للقوات المسلحة، بحسب ما نقلته بعض الصحف.