إذا كنت عزيزي القاريء ممن اعتادوا السفر بالطائرات فمن المؤكد أنك تحفظ عن ظهر قلب تعليمات الأمن والسلامة التي يكررها فريق الطائرة في بداية كل رحلة…الإشارة إلى مداخل الطائرة ومخارجها…ربط الأحزمة …وقناع الأكسيجين الذي سيتدلى من سقف الطائرة  عند حدوث خطر…

في هذه المرحلة ستناشدك المضيفة أن تبدأ باستخدام القناع أولًا ثم بعدها تساعد الأطفال معك…

ما الذي يحدث إن بدأت بمساعدة الطفل الذي تصحبه في رحلتك باستخدام قناع الأكسيجين ثم….؟  حسنًا لن يسعفك الوقت ستفقد قدرتك على التنفس ولن تتمكن من مساعدة الصغير ولا حتى إنقاذ نفسك….عند تعرضك للمخاطر عليك أن تنقذ نفسك أولًا ثم تسرع لمساعدة من حولك.

ولذلك كان أمر الله واضحًا لعباده المؤمنين..أمر تتجلى فيه الحكمة الإلهية 

يقول تعالى  آمرًا عباده المؤمنين :”يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة..” (سورة التحريم:6) ..

لتنجو بنفسك من خطر النار عليك أن تقي نفسك أولًا.

أول خطوة في وقاية طفلك من النار هي وقاية نفسك أولًا…..

المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقك هي النجاة بنفسك التي بين جنبيك من النار ..لن تتمكن من إنقاذ طفلك إن لم تنجُ أنت أولَا وتضع قدميك على طريق النجاة…

تحتاج أن تتعلم العقيدة الصحيحة أولًا وتطبقها لأن طفلك يحتاج أن يراك قدوة تطبقها في سلوكك و في تعاملاتك مع الناس ومع رب الناس. كما أنك لن تتمكن من تعليم العقيدة لطفلك وقلبك خالٍ منها؛ فالوعاء الفارغ لا يفيض.. تحتاج أن تملأ وعاء قلبك أولًا …تتعلم عن الله وملائكته وكتبه ورسله…تتعبد لله بالاستعانة والمحبة والخوف والرجاء..تعرف مستقبل حياتك في قبرك وعلى الصراط  لتعرف بم تجيب طفلك إن سألك عن الموت. يحتاج طفلك أن يسمع استرجاعك عندما تتعطل سيارتك ليقلدك بعدها حين يتعرض لما يسوءه…يرى حسن توكلك على الله في قضاء طلبات المنزل ويسمع دعاءك فيعرف بعدها الطريق الذي يسلكه حين يحتاج أمرًا من أمور الدنيا… تحتاج أن تختلط العقيدة بلحمك ودمك ليسهل عليك ان تكون قدوة لطفلك ولتتمكن من تعليمه إياها …

تحتاج أن تتعلم قبل أن تُعلِم.


وحين أمرنا الله سبحانه بوقاية أنفسنا واهلينا من النار لم يتركنا هملًا” ولم يأمرنا بما لا نستطيع, بل إنه سبحانه يسّر لنا من فضله ورزقنا ما يعيننا على تنفيذ أمره…ووضع لنا في طريق رحلة التربية منارتان.

المنارة الأولى : هي الفطرة
والمنارة الثانية: القدوة…

الفطرة السليمة التي خلق الله طفلك عليها…فــ”كل مولود يولد على الفطرة”

كل مولود يوجد بداخله نوازع تجذبه للتعرف إلى الله..نحن لن نوجه الطفل لمعارف غريبة عنه إذا  حدثناه عن الله. بل إنه يأنس بالحديث عن الله ويطمئن لصوت أمه يتلو كلام الله. الطفل المسلم لا تحتاج أسرته لتعميده أو تهويده, لا تحتاج إلى تغيير فطرته عند الحديث عن الله؛ بل إنها تبني معارفه عن الله على أسس في فطرته خلقه الله بها.

هناك من يقول أن الطفل يولد صفحة بيضاء وأن الفطرة محايدة لا يوجد فيها نوازع للخير ولا للشر  وهذا رأي الفلاسفة كالغزالي؛ والحق أن هذا الرأي يزيد الأمر صعوبة على الأسرة التي تعلم أن أي خط ستخطه على تلك الصفحة البيضاء سيترك أثرًا وعلامة, وأي سلوك مع الطفل سيوجه هذه الفطرة المحايدة إيجابًا أو سلبًا, وهذا يزيد العبء على الأسرة فمسؤولية توجيه الطفل وتربيته تقع بالكامل عليها وحدها.

وهناك من يقول أن الفطرة فيها خير وشر وان النفس الغنسانية تحمل نوازع الخير والشر معًا وهذا يجعل المربي ذئبًا يراقب وينتقد ويتصيد الأخطاء والشرور لينتزعها من نفس الطفل.

ولكن الأمر أبسط من ذلك فالطفل كما اأنه يعرف بفطرته كيف يلتقم ثدي أمه ليرضع, يعرف أن هناك خالق له وللكون حوله يقول ابن القيم : “بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض..(شفاء العليل:ابن القيم)
إذن ليس هناك داع للقلق المتزايد حول الحديث مع الطفل عن عقيدته وربه في سن مبكرة, بل الصواب ان ذلك تماشيًا مع فطرته التي فطره الله عليها.

ودور الأسرة حيال هذه الفطرة التي تعرف الله وتأنس إليه يسير في اتجاهين:

  • الاتجاه الأول: تعزيز الفطرة وتنويرها… كالضوء في المصباح يحتاج فقط أن نزيل الغبار عن زجاج المصباح ليتوهج. فتتحدث المربية مع الطفل عن الله وعن رحمته وجنته ورسله وملائكته,تحدثه عن سعة رزق الله واطمئنان القلب بالتوكل عليه والإنابة إليه. تغرس في قلبه حب رسول الله وأصحابه.. تحتاج هنا ان تتعلم ماذا تقول ومتى تبدأ  في الحديث عن ذلك.
  • الاتجاه الثاني: حماية هذه الفطرة وصيانتها من أن تجتالها شياطين الإنس والجن. حمايتها من الأفكار العقدية الهدامة في وسائل الإعلام وألعاب الفيديو… حمايتها من أصدقاء السوء ودعاوى الإلحاد.

 يقول تعالى في الحديث القدسي: “إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا” (مسلم:2865)


المنارة الثانية  التي أعاننا الله بها ورزقنا إياها هي القدوة المتمثلة في الرسول صلى الله عليه وسلم. خير مربٍ لخير جيل..رضي الله عنهم….رباهم فأخرجهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام..وأخرج بهم  أممًا في مشارق الأرض ومغاربها من ظلمات الجهل إلى نور الوحي.

كم يتألم قلبي حين أرى المسلمين يتخبطون يمنة ويسرة في البحث عن مناهج التربية التي وضع قواعدها الشرق والغرب.. ينبهرون بنعيق كل ناعق وبين أيديهم صفحات بيض روى لنا فيها صحابة رسول الله كيف رباهم رسول الله.
                                       

 كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والمـــاء فــوق رؤوســــها محمــول

لا غضاضة في الأخذ من مناهج التربية الأجنبية ولكن على المربي أن يأخذ ما يتفق وعقيدته ويترك ما يخالفها…يتعامل مع هذه المناهج وهو منطلق في الأصل من منهاج التربية النبوية…لا حرج في الاستفادة من منجزات الغرب والشرق الحضارية مع الانتباه أن مسائل التربية تحديدًا مما يختلط بعلم النفس وإدارة الذات وهذا يجب أن يكون على منهج الله ورسوله…استفد منها ولا تكن كالإسفنجة تمتص السوائل حولها بغض النظر عن طبيعتها ولكن كن كالمرآة زلقة تنظر فيها إلى أصلك وأساسك وتتعرف إلى ما يضاده في المناهج الاجنبية ثم ترفضه..

نحتاج أن نقلب صفحات السنة النبوية لنتعرف كيف ربى النبي –صلى الله عليه وسلم أصحابه..نحتاج ان نعرف ما هي منهجية النبي في التربية وما هي الأسس والقواعد التي استخدمها الرسول  لنقتدي بها ونربي جيل العزة تمامًا كما ربى الرسول أصحابه.
نفرد الحديث في المقال القادم إن شاء الله عن منهج النبي –صلى الله عليه وسلم في التربية …. ..