ألب أرسلان، تعني الأسد الشجاع، وقد تولى السلطة في البلاد، بعد وفاة عمه طغرل بك، وهو الذي أسس دولة السلاجقة، وهي دولة نشأت أثناء الخلافة العباسية.

والخلافة العباسية كانت ضعيفة حينها، فأحياها ألب أرسلان من جديد، وكان الحكم الفعلي في مناطق العباسيين، بيد السلاجقة.

وكان ألب أرسلان، يحكم بمعونة وزيره العظيم نظام الملك، فهو ذكي وقوي النفوذ، وواسع الثقافة، وذو خلق وعادل ودين، فكان نموذج عالٍ للوزير الصالح.

ألب أرسلان كان أيضاً قائداً ماهراً، فقد قاد عمليات عسكرية منذ صغره، وحكم خراسان بعد وفاة أبيه، ومشى بسياسة تثبيت أركان حكمه في البلاد، قبل أن يفكر بإخضاع أي أقاليم جديدة.

فكان يحب الجهاد في سبيل الله، ونشر الدعوة في داخل الدول، التي لم يصلها الإسلام، وكانت روح الجهاد هي المحرك التي حركت الفتوحات.

تنظيم أمور الدولة

أصبح ألب أرسلان قائد السلاجقة، وزعيم الجهاد في العالم الإسلامي، فكان يتحدث عنه الناس في ذلك الوقت، وكان حريصاً على نصرة الإسلام ونشره.

وحريص على ضبط الوضع الداخلي، ولمدة سبع سنوات، استمر يتفقد أجزاء دولته، فكانت دولة ضخمة، قبل أن يقوم بأي توسع خارجي.

وبهذه السياسة الذكية، استطاع أن يتجنب بها أي اضطرابات داخلية، ورتب دولته، قبل أن يفكر في الجهاد، ولم يستطع أحد أن يشعل الفتن في عهده.

التخطيط للتوسع في البلاد ونشر الدعوة

ألب أرسلان واجه الكثير من القادة في التاريخ، وعندما اطمئن على أن الأمن قد استتب في بلاده، وتمكن من حكم جميع الأقاليم الخاضعة له.

أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المجاورة لدولته، وتوحيد العالم الإسلامي، وبالذات إعادة مصر، التي كان يحكمها الاسماعيلية الشيعة.

فقد خرجت من الخلافة العباسية آنذاك، فبدأ يعد جيش كبيراً، واتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا، وفتحهما، ونشر الإسلام في تلك المناطق.

وأحبه الناس لعدله وأخلاقه، ثم أرسل قائده في حملة إلى جنوب الشام، فانتزع الرملة والقدس من يد العبيديين.

وفي أثناء ذلك، كانت مملكة بيزنطة وهي في المناطق المسيحية، في شرق أوروبا، وتتكون بشكل رئيسي من مدينة القسطنطينية، وهي اسطنبول الآن، ومن أقاليم أرمينية.

صمدت هذه المناطق أمام الفتح الإسلامي لعهود طويلة، ومنها شنت الحروب الصليبية على المسلمين، فكانت الحرب بين المسلمين وبيزنطة.

الإمبراطور البيزنطي رومانوس

وفي أثناء ذلك، كانت دولة بيزنطة تتحفز لاستعادة ما فقدته، من أرجائها، وأتتها الفرصة عندما توفي الإمبراطور البيزنطي، قسطنطين العاشر.

فتولت الحكم من بعده، الإمبراطورة ايدوسيا، وصية على ولدها ميخائيل السابع، وحتى تضمن ولاء الجيش لهم، تزوجت من القائد العام للجيوش البيزنطية رومانوس.

وكان رومانوس فارس عظيم، يفتخر الصليبيون في بطولاته، وبدأ يدير البلاد، ويجمع جيش من متعصبي الصليبية، وينفق عليهم الأموال، حتى بلغ الجيش مائة ألف مقاتل.

وأضاف لهم الحرس الجمهوري، الذي كان مكلفاً بحراسة الإمبراطور وعائلته، وجمعهم إليه، وكان بنفس الوقت، الفتوحات التي يقوم بها ألب أرسلان، على المناطق الأرمنية.

وكانت خاضعة إلى الدولة البيزنطية، فغضب أرمانوس لهذا الأمر، وصمم على القيام بحركة مضادة، للدفاع عن الإمبراطورية البيزنطية.

وعزم على تحويل أنظار السلاجقة عن بلاده، وهجم على بلاد الشام، وبدأ في شمال بلاد الشام، وهاجم المدن الشمالية وقتل أهلها.

تهيئة جيش الروم لقتال المسلمين

لكن هذا لم يكن كافياً، ليبعد خطر السلاجقة عن بلاده، فأعد رومانوس الإمبراطور، جيش كبير، لضرب جيوش السلاجقة التي كانت بقيادة ألب أرسلان.

وتحرك بالجيش الضخم من القسطنطينية عاصمة الدولة، واتجه نحو منطقة ملاذ كرد، وتقع اليوم في محافظة موس، شرق تركيا.

تحركت الجحافل من الروم والفرنجة، والروس والبلغاريين، واليونانيين والفرنسيين، لضرب الإسلام، ومعه مائتا ألف مقاتل، وخمس وثلاثين ألف من البطارقة.

وألفي فارس، ومائتي عجلة تجر السلاح والمناجيق، وأهل بيزنطة جميعهم، ينتظرون نصر حاسم على السلاجقة، فإذا أسقطوا السلاجقة أسقطوا الخلافة العباسية.

وكل هذه المعطيات، جعلت رومانوس يشعر بالقوة، ولم يكن هناك أحد يتوقع احتمالات أي خسارة، وطبعاً هذا الغرور، الذي يصيب أي قائد من الممكن أن يدمره.

وهنا لم يفكر بالاحتياطات الكافية لجيشه، خاصة أنه يعرف أن جيش ألب أرسلان، كان خمسة عشر ألف فقط من الجنود.

وصل حد الغرور لديه، إلى توزيع بلاد المسلمين قبل أن يغزوها، فأعطى البطارقة البلاد الإسلامية، مثل مصر والشام والعراق.

تحضيرات ألب أرسلان قبل المعركة

في ذلك الوقت، كان السلطان ألب أرسلان في أذربيجان، وعندما وصلته أخبار هذا الجيش الهائل، لم يستطع أن يجمع من الجيش، أكثر من خمسة عشر ألفاً.

وتوجه بسرعة نحو أرض المعركة، في ملاذ كرد، وأدرك ألب أرسلان حرج الموقف، فكان يحتاج إلى العقل السياسي المفكرِ، وليس سيف العسكري المقاتل.

وكان يعاني من المخاطر الكبيرة، مثل الخلافة العباسية المتفككة، والعبيديون، والاسماعيلية في الشام، وفي مصر، متربصين له.

فكان لا بد أن يقوم على منهجية، وخطة للقتال، كنوع من إنقاذ جيشه، من التهلكة المحققة، إذا لم يستعمل السياسة والحيلة.

عندما وصل ألب أرسلان، بدأ بهجوم تكتيكي على مقدمة جيش الروم، ونجح في تحقيق نصر خاطف، من أجل أن يجعل الموقف التفاوضي أفضل مع الإمبراطور.

وأرسل بعد هذا النصر إلى الإمبراطور، مبعوثاً يعرض عليه الهدنة، فأساء الامبراطور استقبال المبعوث، ورد باطمئنان، بأنه سيفوز، ولم ينتظر أن يسمع كلام مبعوث السلطان.

وطالبه أن يبلغ ألب أرسلان، أن الصلح لن يتم، إلا في مدينة الري عاصمة السلاجقة، أي أنه كان يفكر بأنه سيصل إلى العاصمة.

الوساطة والهدنة

وقبل المعركة عندما وصل الإمبراطور الروماني إلى ملاذ كرد، أخذها بدون قتال، ووصلت الأخبار إلى الخليفة العباسي، فأرسل يتوسط بين الإمبراطور والسلطان السلجوقي.

فرفض الإمبراطور أي صلح، وأي وساطة، فأدرك السلطان ألب أرسلان، الخطر الذي يحيط بجيشه، بالمقارنة بين قوة الطرفين وخاف عليهم.

وكان على وشك الانسحاب، لكنه عرف أنه لو انحسب في هذه اللحظة، سيكون قضاء على الخلافة العباسية، وعلى دولة السلاجقة.

وفي يوم الأربعاء 23 ذي القعدة 483 للهجرة، أصبح الموقف واضحاً وخطيراً جداً، فكان لا بد من المواجهة، لجيش عدده عشرون ألف، أمام جيش عدده مائتا ألف.

ألب أرسلان وتهيئة جيش المسلمين

عمد السلطان ألب أرسلان إلى جنوده، يشعل في نفوسهم روح الجهاد، وحب الاستشهاد، وأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري.

بأن يكون وقت المعركة، في يوم الجمعة بعد الانتهاء من الصلاة، حتى يدعو الخطباء للمجاهدين، وعندما أزف الوقت، وتواجه الفريقان.

نزل السلطان ألب أرسلان عن فرسه، وسجد لله تعالى، ومرغ وجهه في التراب، ودعا الله واستنصره.

كان جيش الروم، مؤلف من ثلاث فرق، وعندما علم الإمبراطور باقتراب جيش المسلمين، جمع جيشه وانحرف به إلى الجنوب الغربي.

في محاولة منه، بأن يلحق بمقدمة جيشه، قبل أن ينقض عليه السلطان ألب أرسلان، ولكنه لم يتخذ تدابير الحيطة الكافية لشدة الغرور.

فلم يعرف أنه أصبح شديد القرب من أعدائه، فاستهان بهم، ولم يتخذ خطوات بديلة، وخطط عسكرية، لأنه شعر أنه الأقوى.

خطبة ألب أرسلان أمام الجيش

وعند بداية المواجهة، صلى السلطان ألب أرسلان، وبكى وأبكى الناس، ودعا فأمنوا، ولما تقارب الجيشان، طلب السلطان من إمبراطور الروم، الهدنة، فرفض.

وظن الإمبراطور، أن ألب أرسلان سيستسلم، وخطب السلطان ألب أرسلان في جنوده قائلاً: إنني أقاتل محتسباً صابراً، فإن سلمت، فنعمة من الله عز وجل.

وإن كانت الشهادة، فهذا كفني، وأكملوا معركتكم تحت قيادة ابني ملك شاه، ومن أراد الانصراف، فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر ولا ينهى.

كان يتوقع فناء الجيش وشهادته، ولا يريد أن يكون في الجيش من في قلبه خوف، بل أرادها معركة، باع فيها كل أفراد الجيش أنفسهم لله تعالى.

وفي هذه الخطبة المؤثرة، حقق ثلاث أهداف:

  • إخلاص النية لله عز وجل.
  • رفع معنويات الجنود
  • وضع الخطة البديلة في حالة استشهاده.

بداية المعركة

أخذ ألب أرسلان السيف، وأعلن أن الأمر التحام، ليس فيه رماية في البداية، كما العادة، وهجم المسلمون على الروم، فبهت الإمبراطور بالهجوم بدون رماية.

كبّر المسلمون، واهتزت الجبال لصيحتهم، حاول الروم الالتفاف حول المسلمين، فكانت فرصة وسط الغبار، أن يقتل المسلمون عدوهم، كيف يشاؤون.

وفعلاً مع هذه المفاجأة والغرور الذي كان به الجيش الروماني، دارت الدائرة على العدو، وتناثر قتلاهم، وجيء بالأسرى.

أسر الإمبراطور الروماني

وعندما جيء بالأسرى، جاء مقاتل صغير البدن، يسوق أمامه قائد الأعداء رومانوس، وهي المرة الأولى والأخيرة، التي يقع فيها إمبراطور الروم بنفسه، في أسر المسلمين.

ففقدت الإمبراطورية البيزنطية هيبتها في كل أوروبا، بعد هذه المعركة، وتذكر ألب أرسلان أنه مزح مع العسكري نفسه يوماً، قائلاً: وما يدريك أن تأتي إلينا بإمبراطور الروم.

ووقف امبراطور الروم صاغراً، بين يدي ألب أرسلان، وهنا ضربه الملك القائد السلطان ألب أرسلان، ثلاث ضربات على رأسه، وقال له:

دعوناك إلى الهدنة فأبيت، ثم قال: لو كنت أنا أسير بين يديك، ما كنت تفعل؟ قال الإمبراطور: قل قبلي، قال ألب أرسلان: فما ظنك بي؟

قال الإمبراطور: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني، فقال ألب أرسلان: ما عزمت على غير العفو والفداء.

فك أسر الإمبراطور الروماني

تم الاتفاق على أن يدفع الإمبراطور فديته، مليون ونصف دينار من الذهب، وهذا المبلغ في ذلك الوقت، كان يساوي مجموع كل ما تنتجه بلاد الشام، في سنة كاملة.

وبدأ رومانوس يراسل دولته، حتى يدفعوا فديته، فلم يستطيعوا أن يدفعوا أكثر من ثلاثمئة ألف دينار، من الذهب.

وافق السلطان ألب أرسلان، وأخذ الفدية، وسامحه عن باقي المبلغ، مقابل أن يطلق كل أسير مسلم في أرض الروم، وأن تعقد معاهدة صلح بينهما.

يلتزم الروم خلالها بدفع الجزية السنوية، وأن يعترف الروم بسيطرة السلاجقة، على المناطق التي فتحوها، على أنها لم تعد من بلاد الروم، بل جزء من دولة السلاجقة.

ويتعهدوا بعدم الاعتداء، وتم الاتفاق على كل هذه الشروط، فأطلقه ألب أرسلان، وأهداه عشرة آلاف دينار من الذهب، حتى يتجهز بها للعودة.

ومعه جماعة من البطارقة، وأرسل معه جيش يحميه حتى يصل، وهذا كان له سبب، أن الاتفاق تم معه، وهو يريد أن يكمل هذا الاتفاق، فلا يقتل على الطريق.

وسار الإمبراطور رومانوس، وفوق رأسه راية، بقيادة الجيش الإسلامي، كتب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله.

حرق عينا الامبراطور الروماني

وصلت أخبار المغرور إلى القسطنطينية، وثار الناس هناك، فكيف يتم أسر الإمبراطور، واعتبروها أنها بسبب الغرور، فأصدروا قراراً بعزله.

وعين ميخائيل السابع، إمبراطور على الروم، ولما وصل رومانوس، قبضوا عليه، وحرقوا عينيه بالحديد الساخن، فأصبح أعمى.

لم يعد بحاجة إلى عينيه، بعد أن أعماه الغرور، فكان نصر ألب أرسلان بجيشه، الذي لا يتجاوز خمسة عشر تقريباً، على جيش الامبراطور أرمانوس حدث كبير.

وكانت نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، وبهذا النصر، ساهم في اضعاف قوة الروم، ونفوذهم في اقليم آسيا الصغرى.

وساعد تدريجياً في القضاء على الدولة البيزنطية، على يد العثمانيين، فلقد دخل سكان المناطق التي كان يسيطر عليه البيزنطيين في الإسلام.

وواصل الأتراك العظماء السلاجقة، فتحهم حتى توغلوا في كل تركيا، آسيا الصغرى، وأصبحت هذه المنطقة، جزء عزيز من بلاد المسلمين إلى هذا اليوم.

وهكذا دخلت تركيا، واستقر فيها الإسلام بعد معركة ملاذ كرد، تركيا بملايينها من المسلمين، هي نتائج ملاذ كرد، فالقلة كانت دوماً منتصرة، على الكثرة إذا كانت مؤمنة.

وقد سخر الله لهم من يلم شملهم، ويعودوا إلى دينهم، وأعزهم الله بقوة النصر، وتحقق فيهم قول الله تعالى (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) رحم الله السلطان ألب أرسلان الذي توفي وعمره 44 عاماً فقط، مع كل هذه الإنجازات.