يمثل المحللون الاستخباريون ركيزة أساسية في الدورة الاستخبارية، ومن ثم يحظى تطوير مهاراتهم بأولوية بارزة من أجل تحسين قدراتهم. وقد تناولت في مقال سابق (معايير التفكير المطلوبة في التحليل الاستخباري)، وفي هذا المقال سأتناول بعض أبرز المغالطات التحليلية التي ينبغي تجنبها في التحليل الاستخباري وفق ما تناولته نشرة (التحليل الاستخباري) الصادرة عن الجيش الأميركي في عام 2014.

يرتبط التفكير النقدي بشكل وثيق بالتحليل الاستخباري حيث تزداد موثوقية التحليل الذي ينتجه محلل يتسم بالتفكير بشكل نقدي. ونظرا لأن محللي الاستخبارات ينخرطون في تحليل مواقف معقدة يكون الوصول لنتائج فيها عرضة للمؤثرات التي تشكل وتقولب رؤيتهم للعالم وقدرتهم على الاستدلال، فمن المهم كشف المغالطات في تحليلاتهم وتحليلات الآخرين. وتُعد المغالطات المنطقية والتحيزات من أبرز أنواع  المغالطات التحليلية.

المغالطات المنطقية

المغالطات المنطقية هي أخطاء في عملية الاستدلال يسببها الفشل في تطبيق المنطق السليم. وعلى الرغم من أنها لا ترتكب في العادة عن قصد، إلا أن تلك المغالطات توظف أحيانًا عن عمد للإقناع أو المحاجة أو الخداع. وينبغي على المحلل كشف هذه المغالطات حتى لا يسير في طريق خاطئ مضلل يقود إلى استنتاجات ضعيفة.  

أولا: مغالطات الصلة بالموضوع:

 تحتكم هذه المغالطات إلى الأدلة أو الأمثلة غير المرتبطة بالحجة التي يتم نقاشها.

1- الاحتكام للقوة:

(منطق “القوة تصنع الحق”): توظف هذه المغالطة القوة أو التهديد بها أو بعض ردود الفعل العنيفة لجعل الجمهور يتقبل نتيجة معينة. وفي الغالب يتم استعمالها كملجأ أخير عندما لا تفلح الدلائل أو الحجج المنطقية في الإقناع. 

2-الحجة الشخصية:

(“شخصنة الحجة”، كما يطلق عليها “تسميم البئر” أو “القدح في الشخص”): تسعى هذه الحجة إلى تجاهل الدليل قبل طرحه عن طريق تشويه المصدر. حيث يحاول المتحدث تشويه الدليل المضاد بخلق انطباع معين مضمونه أن الشهادة متحيزة لأن الشاهد يمثل جهة معينة.  

3-الاحتكام إلى العامة:

توظف هذه المغالطة الانجذاب للتوافق مع عامة الناس، عبر تحريك المشاعر وتحميس الجماهير غالبًا بدلًا من بناء الحجة. وهي أداة مفضلة لدى مثيري المشاعر وأصحاب الدعاية. وتجزم مغالطة الاحتكام للعامة بأنه عندما يعتقد أغلبية من الناس بحجة معينة، أو يختارون مسارًا معينًا للتصرف، فإن هذه الحجة أو ذلك التصرف يجب أن يكون الأفضل. فعلى سبيل المثال يقال: “أكثر من مليون شخص اشتروا هذا الهاتف بدلًا من الهاتف الآخر الذي تنتجه شركة منافسة؛ لا يمكن أن يكون جميع هؤلاء على خطأ، لابد أن هذه الشركة تصنع أفضل الهواتف”. والشاهد أن القبول العام لأي حجة لا يبرهن على صحتها. ويندرج تحت هذه المغالطة:

  • مقاربة التذرع بالوطنية:  تؤكد هذه الفرضية أن موقفًا ما حقيقي أو صحيح لأنه وطني من منظور معين. وأن هؤلاء الرافضين لهذا الموقف غير وطنيين.  وأفضل طريقة لتسليط الضوء على تلك المغالطة هو البحث عن الكلمات المشحونة بالعاطفة، مثل الوطنية، الخونة. 
  • مقاربة تقليد النخبة:  هذا النوع من المقاربة لا يقول إن “الجميع يفعلون ذلك”، ولكن بدلًا من ذلك يقول: “إن أفضل الناس يفعلون ذلك”. فعلى سبيل المثال: “إن أفضل محللي وكالة الاستخبارات المركزية يقرون بأن طريقتي التحليلية صحيحة”، ويكون التفسير هنا أن أي أحد يفشل في معرفة حقيقة برهان المحلل، فإنه ليس على مستوى “أفضل محللي وكالة الاستخبارات المركزية”، ومن هنا فليس لديه الحق في مسائلة النتائج التحليلية.

ثانيا: مغالطات التحريف

تحدث مغالطات التحريف عندما يهمل المحلل مادة هامة في استنتاج أو استدلال معين، وتتضمن بعض مغالطات التحريف: التبسيط المخل، التركيب، التفكيك، البَعدية، المأزق المفتعل، التعميم المتسرع، التخصيص.

1-التبسيط المخل:

هو التعميم الذي يفشل في حساب جميع الظروف المعقدة التي تؤثر في المشكلة بشكل كاف. وينتج التبسيط المخل عندما يتم حذف واحد أو أكثر من الشروط المعقدة الخاصة بموقف معين، ويتضمن تجاهل الحقائق، واستخدام التعميمات، و/ أو تطبيق تعميم غير ملائم على حالة معينة. فعلى سبيل المثال: عندما يقوم اختصاصي في المعدات القتالية بفحص قاذفة صواريخ أرض جو محمولة يدويًا مستولى عليها، فيستنتج أن الخصم لم يعد لديه دفاع جوي فعال مضاد للأهداف منخفضة الارتفاع، وقد بني هذا التقييم على حقيقة مفادها أن منظومة الأسلحة المتحفظ عليها مجهزة بآليات توجيه عفى عليها الزمن. بينما تحليل اختصاصي المعدات القتالية قد أغفل الاعتبارات الآتية:

  • أن قطعة السلاح هذه قد لا تكون سلاح الدفاع الجوي الوحيد المضاد للأهداف منخفضة الارتفاع لدى العدو.
  • أن قاذفة الصواريخ قد يكون تم وضعها من خلال الخصم لإعطاء صورة مضللة عن قدرات الخصم الحقيقية ولخداع خبراء الأسلحة.
  • أن الخصم ربما ترك القاذفة لأنها غير فعالة وأن هنالك منظومة ذات قدرات أعلى أصبحت متاحة.

2- مغالطة التركيب:

تحدث هذه المغالطة عندما يتم استخلاص استنتاج متكامل بناءً على ملامح لأجزاء ليس لها ما يبررها للوصول لهذا الاستنتاج. فعلى سبيل المثال: خلال معركة مع ميليشيا عرقية تم أسر أحدهم، وكان هذا الأسير يعاني من سوء التغذية وتدني الروح المعنوية، وقد لوحظ أنه يحمل سلاح نصف آلي عتيق من الحرب العالمية الثانية، وبعد استجواب قصير أصدر محلل الاستخبارات تقريرًا بأن الميليشيا حاليًا تعاني الجوع والمرض، كما أن تسليحها هزيل. وقد فشل محلل الاستخبارات من وضع الآتي في الاعتبار:

  • قد يكون الأسير قد تم أسره لأنه كان مريضًا بحيث لم يتمكن من مجاراة باقي الوحدة.
  • كون السلاح عتيق لا يعني بالضرورة أنه غير مؤثر.

وفي الواقع، القليل من الأسرى تكون لديهم معنويات مرتفعة؛ وقد يكون انخفاض معنوياته ببساطة ناتج عن وقوعه في الأسر.

3-مغالطة التفكيك:

يتم ارتكابها عندما يستنتج شخص ما أن ما هو حقيقة في أمرٍ كلي، يجب أن يكون حقيقة في أجزاء هذا الكل. فعلى سبيل المثال: أعضاء لواء الحرس الخاص بالعدو لم يستسلموا في أي معركة سابقة قط، وبعد اشتباك حديث صرح أحد المعتقلين أنه كان عضوًا في لواء الحرس، ساور المحقق الشك في تصريح المعتقل لأن أفراد الحرس لا يستسلمون أبدًا.

4-المغالطة البعدية:

(بعد هذا، إذن بسبب هذا): هي النظر في العوامل الأخرى التي  قد يكون اعتبارها مؤديا إلى النتائج التي تم استبعادها. وتحدث المغالطة البعدية غالبًا عند محاولة صوغ السبب والنتيجة. فعلى سبيل المثال: عند تحليق طائرة مجهزة بمعدات تشويش فوق منطقة يسيطر عليها الخصم دون أن يتم إطلاق النار عليها، فيتم استنتاج الآتي: بما أن الطائرة لم يتم اعتراضها أو إطلاق النار عليها، إذن معدات التشويش شديدة الفعالية في تعطيل نظم الخصم الإليكترونية.  وربما يفسر هذا الاستنتاج أو لا يفسر عدم تعرض الطائرة للهجوم، ولكن هنالك اعتبارات أخرى تشمل:

  • ربما حرص الخصم في الحصول على معلومات استخباراتية إلكترونية عن تلك المعدات الجديدة  أثناء التحليق مما دفعه لعدم استهداف الطائرة.
  • أن الخصم يعيد توزيع وحدات صواريخ أرض – جو، ولا يريد الكشف عن المواقع الجديدة.

5-مغالطة المأزق المفتعل (أبيض أو أسود) :

تحدث هذه المغالطة عندما يتجاهل الشخص النظر في أكثر من بديلين بينما يوجد في الواقع أكثر من بديلين. فعلى سبيل المثال: عندما يرفع ضابط أركان حرب الاستخبارات تقريرا للقائد بأن العدو لديه القدرة فقط على إما أن يدافع في موقعه، أو ينسحب. فقد ارتكب ضابط الاستخبارات مغالطة المأزق المفتعل إما بإخفاقه في التوقع وإما بتجاهله أن العدو بإمكانه أن:

  • يقوم بالهجوم، إذا كانت لديه قابلية لتحمل خسائر كبيرة.
  • ينسحب إلى موقع دفاعي بديل.
  • يقوم بعملية تعطيل.

6-مغالطة التعميم المتسرع:

هي استنتاجات يتم استخلاصها من عينات محدودة جدا لا تمثل السكان بشكل واقعي. فعلى سبيل المثال: بعد استجواب معتقل معين، رفع ضابط الاستجواب تقريرا بأن معنويات العدو منخفضة للغاية وأن استسلامه وشيك. في هذه الحالة ارتكب المحقق تعميما متسرعا لأن العينة موضع الاختبار صغيرة جدًا؛ تتكون من محتجز واحد.