حازت الأدبيات التي كتبها ماوتسي تونغ وجيفارا وكاسترو في منتصف القرن العشرين حول حروب العصابات في الأرياف والأدغال والجبال على شهرة ذائعة الصيت، وترجمت العديد من أعمالهم إلى اللغة العربية، واقتبست منها التنظيمات الوطنية والإسلامية الكثير من الاستراتيجيات والتكتيكات خلال مرحلة مناهضة الاستعمار. إلا أن بعض المنظرين اليساريين لحروب العصابات لم تحظ أدبياتهم بذات الاهتمام في العالم العربي رغم ذيوعها في أوروبا وإيران، ومن بين هؤلاء البرازيلي كارلوس مارجيلا (1911 – 1969).

كارلوس مارجيلا هو كاتب ماركسي شارك في  تمرد يساري قادته حركة التحرير الوطنية (ALN) بالبرازيل خلال ستينات القرن العشرين ضد حكم عسكري استبدادي مدعوم من أميركا أطاح في عام 1964 بالرئيس المنتخب جواو جولار. وقد بدأ التمرد عقب تصدي قوات الأمن لتظاهرات جماهيرية وموجة إضرابات واسعة شهدتها البرازيل عام 1968 شهدت مقتل العديد من المتظاهرين والمضربين عن العمل.

كارلوس مارجيلا

 تبنى مارجيلا الرأي القائل بأن الواجب على الثوار هو صناعة الثورة لا انتظارها، وحتمية الصراع ضد الديكتاتوريات العسكرية المرتبطة بالإمبريالية العالمية.  وقد دون مارجيلا عدة كتب ورسائل من أبرزها كتيب تناول حرب العصابات في المدن والمناطق الحضرية تحت عنوان: دليل موجز لحرب العصابات في الحضر :

 (Minimanual of the Urban Guerrilla)

نشر مارجيلا الكتيب في أواخر عام 1969 قبيل مقتله في ذات العام على يد قوات الشرطة البرازيلية، ثم طبُع بالإنجليزية في العام التالي في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. ويعد هذا الكتيب أحد الوثائق المهمة التي تتحدث عن كفاح حروب العصابات في أمريكا اللاتينية. وقد أعيدت طباعته وترجم إلى عدة لغات. وأصبح مرجعا في حروب العصابات لعدة حركات نشطة في العالم مثل الجيش الجمهوري الايرلندي، وحركة إيتا الباسكية، وجماعة الجيش الأحمر الياباني، ومجموعة الألوية الحمراء الإيطالية.

باعتبار السياق الزمني الذي دون فيه الكتيب، وتطور التسليح وأنظمة الاتصالات والمراقبة ووسائل النقل في العصر الحالي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل نصف قرن، فسنجد أن بعض أجزاء الكتيب صارت جزءا من الماضي. ولكن رغم ذلك، يمثل الكتيب عند تكييفه مع الواقع المعاصر إطارا عاما لاستراتيجيات وتكتيكات حروب العصابات بالمدن، كما يساعد على التعرف على نمط تفكير وأسلوب عمل بعض التنظيمات اليسارية المسلحة في أميركا اللاتينية، كما يرسم إطارا توضيحيا لطبيعة الشخصية اليسارية الثورية ونزوعها المتأصل لسفك الدماء.

تدور الفكرة الأساسية للكتيب حول ضرورة إطلاق العنان للحرب الثورية في المدينة والأرياف على حد سواء. وذلك باعتبار أنه مع زيادة حجم العمل الثوري يضطر النظام العسكري إلى تأميم المشهد السياسي. وفي هذه الحالة ستتضرر كل فئات المجتمع، وسيتحمل الجيش وحده المسؤولية المطلقة عن كل حالات الفشل.

يرى مارجيلا أن الوظيفة الرئيسية لرجل حرب العصابات الحضري تتمثل في مساعدة رجال حرب العصابات بالأرياف، وذلك عبر تشتيت وتقويض واضعاف معنويات النظام الديكتاتوري العسكري وقواته القمعية، ومهاجمة وتدمير ثروة وممتلكات الأمريكيين الشماليين والمدراء الأجانب والطبقة العليا في البرازيل. ومن ثم دعا مارجيلا إلى اعتماد حرب العصابات الحضرية كوسيلة لإلحاق الهزيمة بالمؤسسات السياسية من أجل إحداث تغيير اجتماعي جذري وشامل. 

الصفات الشخصية لرجل حرب العصابات الحضري

حسب مارجيلا، يجب أن يتميز رجل العصابات الحضري بالشجاعة والحسم. ويجب أن يكون بارعا في التكتيك وإطلاق النيران. ويجب أن يكون شخص ذا فطنة كبيرة لتعويض ضعف قوته في التسليح والذخيرة والمعدات.

ويضيف مارجيلا أنه ربما يمتلك العسكريون المحترفون والشرطة الحكومية أسلحة ووسائل نقل حديثة، ويمكنهم الذهاب إلى أي مكان في حرية اعتمادا على قوة سلطتهم. بينما لا يمتلك رجل العصابات مثل هذه الموارد تحت تصرفه مما يضطره إلى التواجد بشكل سري. وفي بعض الأحيان يكون رجل العصابات الحضري مدان قانونيا، أو خارج من السجن في ظل إفراج مشروط، أو مضطر لاستخدام وثائق مزيفة. ورغم ذلك، يتمتع رجل العصابات الحضري بميزة لا تتوافر للقوات العسكرية التقليدية أو لعناصر الشرطة، فبينما يعمل العسكري أو الشرطي  نيابة عن العدو الذي يكرهه الشعب، يدافع رجل العصابات عن قضية عادلة، هي قضية الشعب.

يضيف مارجيلا أن رجل العصابات الحضري يجب أن يمتلك القدرة على المناورة والمرونة والتحرك السريع والمبادأة، كما يجب أن يكون بارعا في سرعة اتخاذ القرار في أي موقف. فروح المبادرة على الأخص تمثل ميزة يصعب الاستغناء عنها. 

وعقب استعراض مارجيلا لجوانب متعددة متعلقة بإعداد وتأهيل رجل العصابات الحضري من منظور يساري تطرق إلى ما سماها بالخطايا السبعة التي يقع فيها رجل العصابات، والتي للمفارقة ربما وقع مارجيلا نفسه فيها ودفع حياته ثمنا لها، ومن أبرزها حسب تعبيراته:

  1. قلة الخبرة التي تدفع إلى النظر للعدو على أنه غبي، وأن الأمور سهلة. وهذا في الغالب يؤدي إلى كارثة. كما أن العكس أيضا قد يحدث نتيجة قلة الخبرة حيث يعطي رجل العصابات الحضري العدو قدرا أكبر من حجمه الحقيقي مما يجعله مشلولا وغير قادر على الفعل.
  2. الثرثرة، وذلك من حديث رجل حرب العصابات الحضري عن نشاطاته وسط المجتمع مما يسهل استهدافه. 
  3. الغرور، حيث يحاول المتمردون حل مشاكل الثورة كلها من المدينة دون النظر إلى تقدم العمل الثوري في المناطق الأخرى وبالأخص الريف، فبعد أن ينجح بعدة أعمال يحاول الوصول لعمل حاسم مستغلا كل موارد وإمكانات التنظيم.
  4. تضخيم الإمكانات الذاتية، والقيام بعمليات تحتاج إلى إمكانات تتجاوز إمكاناتهم الحالية سواء البشرية أو المعلوماتية أو المادية.
  5. القيام بأعمال متهورة، وهذا التهور هو نتيجة لفقدان الصبر. وفي هذه الحالة يعاني رجل حرب العصابات من توتر عصبي، فيندفع بقوة إلى عمل غير محسوب، وبالتالي سيعاني من هزائم قاصمة.
  6. مهاجمة العدو عندما يكون في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد.
  7. عدم القدرة على التخطيط السليم، والكارثة الأكبر هي العمل العشوائي دون تخطيط.

وفي نهاية الكتيب ينص مارجيلا على مجموعة من المبادئ توضح نقمته على العاملين بالأنشطة السياسية حيث يقول أنه لا توجد قيادة دون تضحيات ومشاركة في العمل الثوري، وأن السياسيين لا يمتلكون بحكم موقعهم الحزبي أو مكاتبهم الفارهة أو موقعهم في التسلسل الهرمي بالتنظيمات الكلاسيكية أي استحقاقات، ففي المنظمة الثورية هناك فقط مهام وتكليفات لابد أن تكتمل. ورغم كثرة المحاذير  التي أشار إليها مارجيلا في كتيبه، إلا أن الشرطة البرازيلية تمكنت من التعرف عليه وفقا لصديقه كارلوس إدوارد بسبب طوله الكبير وضخامة جثته ولونه الأسمر المميز.