الكاتب/ أحمد سمير قنيطة

كاتب ومدون

تحت عنوان “حالة طوارئ قومية” كتب المراسل العسكري للقناة 13 العبرية “ألموغ بوكير”: بعد 14 جولة تصعيدية مع قطاع غزة، وليالٍ لا نهاية لها بدون نوم؛ فإن الوضع أصبح في غلاف غزة لا يطاق، نحن في الغلاف نعيش في حالة طوارئ قومية، لكن الأمر لا يهم نتنياهو أو غانتس، لو كان إطلاق الصواريخ على “غوش دان” لاختلف الوضع ولرأينا نتنياهو وغانتس يقولان: “نحن في حالة طوارئ قومية، هذا ليس وقت الخلافات السياسية”. وأردف قائلاً: لكن واضح جداً أن غلاف غزة بات دولة أخرى، “إسرائيل الثانية” حيث إن إطلاق الرشقات الصاروخية وإصابة سكانها بالهلع أمرًا ليس “لطيفًا” ولكنه ليس “فظيعًا”، الحقيقة أن هذا الوضع مريح للحكومة “الإسرائيلية”، فما يحدث في غلاف غزة هو “أحداث ثانوية” طالما النار لم تصل إلى “تل أبيب” على حد وصف الوزير “تساحي هنغبي”.

نحن كفلسطينيين نعلم تماماً أن خصوم نتنياهو يستغلون جولات التصعيد مع غزة لتحقيق مكاسب سياسية وحزبية، وذلك في إطار الصراع الانتخابي المحتدم في دولة الاحتلال بين حزبي “الليكود” بقيادة نتنياهو و”أزرق أبيض” بقيادة غانتس للظفر برئاسة الحكومة، فجولات التصعيد مع غزة كانت وما زالت ورقة ضغط يستخدمها غانتس وكذلك ليبرمان؛ لإحراج نتنياهو وتسجيل المزيد من النقاط عليه للإطاحة به وإقناع المجتمع الصهيوني بفشله وعدم صلاحيته لقيادة دولة الاحتلال، إن هذا الصراع  السياسي المتصاعد في كيان الاحتلال يشي بأن “الكنيست” الصهيوني في طريقه للحل مرةً ثانية خلال هذا العام؛ ما يعني أن الأحزاب المتصارعة ستخوض جولة انتخابات ثالثة لأول مرة في تاريخ “إسرائيل” بعد فشلهم في التوافق على تشكيل الحكومة، لكن هذا كله لا يمنعنا من القول بكل ثقة أنَّ المقاومة -بفضل الله- وخلال جولات التصعيد الـ14 استطاعت شق الصف في المجتمع الصهيوني وإحداث هزاتٍ كبيرةٍ في وعيه، ونجحت بزعزعة ثقته بحكومته ونظامه السياسي برمته.

لقد بات الصهاينة في الجنوب يشعرون أنهم “مواطنون” من الدرجة الثانية، وأنهم محرقة للسياسيين الذين يتاجرون بهم ويغرقونهم بالوعود الانتخابية في ذروة الصراع الانتخابي؛ ثم يغضون الطرف عن فقدانهم للأمن وتعرّضهم للقصف المتواصل من قبل فصائل المقاومة بعد أن يجلسوا على كراسي الحكم، وهنا عززت المقاومة الفلسطينية هذا الشرخ في قناعات المجتمع الصهيوني واستطاعت كي وعيه وتبديد أوهامه باحتمالية العيش بسلام واستقرار على أنقاض بلادنا المحتلة، وذلك من خلال استراتيجيتها المعهودة بإمطار مغتصبات “غلاف غزة” جنوب فلسطين المحتلة بالصواريخ، وشل الحياة المدنية فيها بشكل كامل وجعل البلدات المحتلة مدناً للأشباح، بينما يتم “التنقيط” على مدن وبلدات الشمال “الحيوية” ببعض الصواريخ بين الحين والآخر؛ وفق الاستراتيجية التي تعتمدها المقاومة بتوسيع دائرة القصف بما يتناسب مع حجم الجرائم الصهيونية بحق المدنيين في غزة، ما يثير قلق وحفيظة المغتصبين في الجنوب على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم الذي يقامر به سياسيو الاحتلال على حساب أمنهم واستقرارهم.

وتعليقاً على عجز المستوى الأمني والسياسي لدى كيان الاحتلال في إيجاد حلول خلّاقة لمشكلة غزة وصواريخها التي أصبحت أكثر دقة وأعظم تأثيراً ونكاية في المغتصبين الصهاينة، وباتت تشكل مأزقاً وكابوساً يحول بينهم وبين العيش بأمان في غلاف غزة؛ يقول المراسل العسكري “ألون بن دافيد” لإذاعة جيش الاحتلال: “إن رد الجيش على صواريخ غزة ليلة أمس – يقصد صواريخ السبت الماضي- غير كافٍ، ويجب تصفية من قام بإطلاق الصواريخ، وأن لسكان سديروت “15 ثانية” للهرب ولمطلقي الصواريخ ساعاتٍ لفعل ذلك”، وهذا يعني أن المعادلات القتالية التي استطاعت الفصائل بغرفة عملياتها المشتركة فرضها مؤخراً، نجحت في تأليب المجتمع الصهيوني على قيادته التي تبدو عاجزة أمام فصائل المقاومة الصلبة وحاضنتها الشعبية المتينة.

وبينما كانت الأراضي المحتلة في العقود الماضية بيئة جاذبة لليهود، حيث سعت الحكومات الصهيونية لإقناع يهود العالم بأن “اسرائيل” أرض السمن والعسل، والأمن والأمان، وعملت على استقطابهم من شتى بقاع الأرض للاستقرار في فلسطين، فدعمت المشاريع الاستيطانية في الضفة، وأنفقت الملايين على تثبيت المحتلين في مغتصبات غلاف غزة، من خلال إقرار موازناتٍ كبيرةٍ على الأمن والزارعة والتنمية؛ أصبحت اليوم أراضينا المحتلة -بفضل الله- ثم بقوة المقاومة، وثبات شعبها، وعنفوان مجاهديها، وحكمة قادتها بيئةً طاردةً لليهود المحتلين، فالأرض بعد عشرات السنين من الاحتلال ما زالت تلفظهم، والشعب بعد عقودٍ من محاولات التدجين ومخططات التطويع ما زال يأبى التعايش مع أكذوبة دولتهم، والأجيال الجديدة التي نشأت في ظل الحصار وترعرعت على مشاهد القصف والدمار؛ وشهدت بطولات رجال المقاومة، وعاينت انتصارات آساد الجهاد؛ لا ولن تقبل بأقل من تحرير فلسطين – كل فلسطين – من بحرها إلى نهرها، ومن رفح حتى رأس الناقورة.

الشعب الصامد في فلسطين والمقاومة الراشدة في غزة يجب أن يعلموا جيداً أنهم الخط المتقدم في الدفاع عن الأمة، وأنهم الحصن المنيع الذي لو سقط – لا قدر الله – فلن يجد الاحتلال أيَّ حصنٍ عربيٍّ بعده؛ فالجيوش العربية ملتهيةً بسحق شعوبها، والحكام العرب مشغولون بالتآمر على إخوانهم وجيراهم، وتبقى الفصائل المجاهدة في غزة وأخواتها الثائرة في شتى ساحات الجهاد في الأمة هي السيف الذي تضرب به أمتنا أعداءها الطامعين في أرضها، والسوط الذي تؤدّب به خصومها المتربصين في خيراتها، حتى يأذن الله بانتصار الشعوب الثائرة على الطغاة والمستبدين، فتتوحد صفوفنا وتجتمع كلمتنا، وتندمج جيوشنا لنكون يداً على من سوانا ونحرر أسرانا ومسرانا.