بقلم: كرم الحفيان

مقدمة

تطل علينا في شهر ديسمبر الحالي من عام 2019م، وبالتحديد في اليوم السابع عشر الذكرى التاسعة لولادة أعظم ثورات العرب منذ قرن على الأقل، أعني ما عرف بالربيع العربي، في وقتٍ ظن فيه الكثيرون أن الثورة ماتت ولم يبق إلا القبر و مراسم الدفن الحزينة المصحوبة بأنهار الدموع والدماء والدمار المادي والنفسي، انتفضت الثورة حية في موجة ثانية هادرة وبنفس الاتجاه والتسلسل الجغرافي الممتد من الغرب للشرق، فالبداية كانت من الجزائر على حدود تونس، ثم الانتقال إلى السودان جنوب مصر، ثم الوصول إلى العراق ولبنان بجوار سورية.

وبانضمام هذه البلاد والساحات الجديدة الكبيرة والهامّة لحضن الثورة، نستطيع أن نقول إن مخطط إحباط الشعوب المتطلعة للحرية عبر وحشية الأنظمة العسكرية وتدخل قوى الاحتلال العالمية لم يفلحا في تخويف من لم يثر سابقاً (دول الموجة الثانية) ولا في حسم ساحات الموجة الأولى (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
ما يهمنا هنا هو رصد التغيرات الهائلة في البنية الاجتماعية والنفسية والفكرية للشعوب العربية الثائرة في تسع سنين، وقد لخصناها في تسع نقاط رئيسة وسنتناول في هذه المقالة النقاط الثلاث الأولى:

  1. ظاهرة البداوة الحديثة وانكسار العقيدة الجبرية
  2. تعرية آلة القمع الكبرى وحصن الأنظمة
  3. عودة العصبية القبلية والمناطقية
  4. نشأة جيل في غياب تسلط الطغاة
  5. فشل نظرية “تأديب” الشعوب بمصير العراق وسورية
  6. وحدة الشعور والأمل بين الشعوب الثائرة
  7. انحسار الخطاب والمشاريع الطائفية
  8. المراجعات الفكرية الميدانية وتلاقح الأفكار
  9. كشف وزن وأداء التيارات العلمانية شعبياً وثورياً.

1- ظاهرة البداوة الحديثة وانكسار العقيدة الجبرية

قال ابن خلدون واصفاً أهل المدن: “أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة… ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم.. قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والصبيان الذين هم عيالٌ على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً يتنزل منزلة الطبيعة”. وفي المقابل ذكر من صفات البدو أنهم “دائماً يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانبٍ في الطرق.. ويتوجسون للنبآت [أي الأصوات الخفية] والهيعات..واثقين بأنفسهم قد صار البأس لهم خلقاً والشجاعة سجيةً”.

وما أعنيه بالبداوة الحديثة هو تحول حمل السلاح واستخدامه إلى سجية وطبع عند شرائح واسعة ممن كانوا “مدنيين” في البلاد التي شهدت ثورات مسلحة ضد أنظمة الحكم، حتى في المناطق التي حدثت فيها تسوية ومصالحة مع الأنظمة.

ونأخذ الحالة السورية كمثال، فهذه مناطق المصالحات، وفي مقدمتها محافظة درعا (مهد الثورة) وبعد مرور أكثر من عام على سيطرة النظام بمساعدة المحتلين الروس والإيرانيين عليها، وشنَّه لاعتقالات وتصفيات كثيرة في صفوف الثوار= تشهد هذه المناطق في الأشهر الأخيرة عمليات عسكرية شبه يومية ضد نقاط النظام وحواجزه العسكرية واغتيالات مستمرة لعملائه، إضافةً إلى تكرر حالة (الاشتباك أثناء محاولات الاعتقال)، التي تنتهي إما بقتلى وجرحي من الطرفين وأحياناً أسرى، وإما بفشل عملية الاعتقال بعد استنفار الثوار بأسلحتهم الخفيفة وتطويقهم لدوريات المداهمة وإخضاعها وأحياناً انتزاع أسلحتهم منهم، أو الانتشار الميداني للثوار المسلحين في الشوارع والطرق الرئيسة ومطالبتهم بالأسرى، وشنهم لهجمات في حال عدم إطلاق سراحهم.

وهذا مؤشر مهم لتحول مجتمعي يبدو أنه في طريقه ليكون عميقاً وراسخاً في المناطق التي خرجت لسنوات عن سيطرة الأنظمة.

وبعيداً عن هزيمة أو خيانة أو انحراف بعض الفصائل أو القيادات الثورية، وبغض النظر عن الاتفاقات الدولية، فإن قطاعات كبيرة من المجتمعات الثائرة ألفت استخدام السلاح وذاقت حلاوة الدفاع عن النفس والنيل ممن يعتدي عليها (البداوة الحديثة) وستنتج هذه المجتمعات لا محالة هياكل جديدة لمقاومة الاستبداد والاحتلال بالطرق الشرعية وفي طليعتها القوة المسلحة.

وبالتزامن مع الحراك المسلح عادت الاحتجاجات الشعبية الواسعة المناهضة للنظام وللاحتلال الإيراني والروسي لواجهة الأحداث في الجنوب السوري، إضافة إلى الانتفاضات الشعبية الكبيرة الرافضة لعودة النظام لمحافظات الشرق السوري، لتؤكد جميع المعطيات السابقة على بدء انكسار العقيدة الجبرية التي طغت على الشعوب قبل الثورات، وملخصها أن الأنظمة الحاكمة قدر محتوم لا مفر ولا فكاك منه.

2- تعرية آلة القمع الكبرى وحصن الأنظمة

قبل ثورات الربيع العربي، كان هناك اعتقاد عام عند جزء كبير من الشعوب إن لم يكن أغلبها أن مشكلة وأزمة بلادنا تكمن في فساد وعمالة مجموعة من الأشخاص تولوا مناصب الرئاسة أو الملك، إضافةً إلى الدائرة القريبة المحيطة بهم من أُسر أو شخصيات محدودة العدد. وكان هناك خوف عام وكره شديد للأجهزة الأمنية من شرطة ومباحث ومخابرات لظلمها وبطشها وتضييقها على الناس.

أما الجيش فكان ينظر له من الكثيرين على أنه مؤسسة لا تتدخل في حياة الناس العامة، وما فيها من خلل وفساد فهو مقتصر أيضاً على أفراد وقادة، كأي مؤسسة أو شركة حكومية أو خاصة.

أما وقد هلَّ الربيع العربي، فإن من بركاته إظهار حقيقة ووزن أعداء الشعوب والأمة. لقد أظهرت الثورة أن الجيوش هي أس البلاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأنها الحاكم الحقيقي باسم القوى العالمية المهيمنة، والحصن الحصين الأخير للأنظمة الفاسدة والعميلة، التي أصبحت مؤسسات كاملة عابثة بحياة وأمن ودين المواطنين، ولا يمكن اختزالها في أشخاص الرؤساء والحكومات الحاكمة.

أمر آخر يضاف إلى رصيد الربيع العربي في تسع سنين، هو نسف الأسطورة القائلة إن هناك جيوشاً طائفية في بعض الدول كسورية والعراق، وجيوشاً غير طائفية في دول أخرى كمصر وليبيا وغيرهما، والحقيقة أن الجيوش العربية المعاصرة خاصةً في الدول الكبيرة والمؤثرة، هي طوائف كاملة مستقلة بذاتها، طوائف لها مبادئها ولوائحها وعقيدتها ومصالحها التي تقاتل من أجلها، ويقتل أفرادها حتى أقرب المقربين لهم عندما تأتيهم الأوامر العليا.

وفي هذا السياق، لا يفوتنا أن نثني على الأحرار الأباة الذين انشقوا عن هذه الجيوش المجرمة، وانحازوا لأهلهم وشعبهم، وكان لهم دور معنوي وفعلي هام في التصدي لإجرامها في سورية وليبيا وغيرهما، جزاهم الله خيراً وكتب الله أجرهم.

3- تفعيل العصبية القبائلية والمناطقية

منذ قيامها بعد الرحيل الشكلي للاستعمار في القرن الماضي، حرصت الأنظمة العربية المتعددة على تفتيت المجتمع إلى أفراد، وتمزيق أي روابط مجتمعية قوية متصلة بجغرافيا واحدة، وعلى رأسها روابط الدم والرحم، خاصةً في العواصم والمدن الكبرى، لعلمها بمتانة وتماسك هذه الرابطة وقدرتها على تحقيق توازن قوى مع السلطة الحاكمة، ولا يخفى الدور التاريخي الكبير للقبائل في الحضارة الإسلامية منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام فالخلفاء الراشدون مروراً بالحقبة الأموية فالعباسية ثم العثمانية وصولاً إلى القبائل المقاومة للاستعمار من الشام للمغرب في القرن العشرين.

وفي أثناء سني الثورات، رأينا قدرة الجيوش المنظمة (وأحياناً الأجهزة الأمنية فقط) على تفريق الحشود الجماهيرية المليونية الضخمة وصعوبة تجميعها بنفس الزخم من جديد لعدم وجود رابط مشبك لملايين الأفراد وضامن لتضامنهم في المدلهمات، في ما رأينا قدرة أكبر للعصبيات القبائلية والارتباطات المناطقية الأقل عدداً على اتخاذ قرار مواجهة الجيوش والتسلح لطردها من مدنها وأريافها.

ظهر هذا بقوة مع القبائل الليبية حين أيدت الثورة على القذافي وقاتلته، ثم الثورة السورية التي كانت شرارة انطلاقتها انتفاضة عشائر درعا عقب إهانة وفدها المطالب بإطلاق سراح الأطفال المعتقلين لدى الأجهزة الأمنية، ثم دور العشائر العراقية السنية ومسلحيها في “ثورة المحافظات الست” بين عامي 2012 و2014م، وما نتج عنها من السيطرة على عدة مدن عراقية عقب طرد قوات الحكومة المركزية وريثة الاحتلال الأمريكي، ومثله يقال في قبائل اليمن، وحتى في قبائل سيناء.

بيد أنه بقيت ثلاث مسائل محورية في موضوع القبائلية والمناطقية:

  1. عدم بروز قيادات قبائلية أو مناطقية قوية تحمل طموحاً ومشروعاً سياسياً
  2. تفرق القبائل والمناطق وتناحرها
  3. “أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة”.
  4. العبارة الأخيرة لابن خلدون وإن كانت قيلت في البدو إلا أنه باستنطاق التاريخ تنطبق على سائر العرب، والنبوة قد ختمت، وبقيت الولاية والأثر الديني العظيم اللازم لقيامة العرب المسلمين وتحررهم الحقيقي من الاحتلال الخارجي وموظفيه في الداخل.

خاتمة

قرن وبضعة أعوام مرت على ما سميت بالثورة العربية الكبرى، تلك التي استهدفت نفوذ الدولة العثمانية وأسهمت في إطلاق رصاصة الرحمة على آخر رمز سياسي وحضاري جامع للمسلمين، بتحريض وتخطيط غربي وعلى وجه التحديد إنجليزي، لتقوم بعده دول قومية حامية لمصالح الغرب وقاهرة لشعوبها ومحاربة لدينها.
قامت الثورة العربية الحقيقية منذ تسع سنين، وهي كبرى بحق، وما زال لديها الكثير لتقدمه، وهذه المقالة وما بعدها، هي محاولة لتسليط الضوء على التغيرات الاجتماعية والنفسية العميقة التي أحدثتها هذه الثورات في الشعوب الثائرة وغيرها، والتي ربما لا تظهر لمن يحصر تركيزه في مراقبة الأحداث العامة ومواكبة التطورات الميدانية والسياسية اليومية.