حظيت (مهمة المساعدة الأمنية) بعناية أكاديمية بارزة لا سيما خلال الحرب الباردة وعهود الاستعمار ثم شهدت الألفية الجديدة تجددا في العناية بذلك الموضوع عقب الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، لكن ظلت دراسة أدوار المغتربين الأجانب العاملين في بناء وتطوير الجيوش محدودة. وقد حدد أستاذ الاستراتيجية والسياسة في كلية الحرب البحرية الأمريكية: دونالد ستوكر في تحليله التاريخي لمهمة المساعدة الأمنية 6 وظائف لتقديم المشورة والمساعدة من طرف المغتربين من وجهة نظر البلدان الموردة لهم، وذلك باعتبارها إياهم أدوات لتحقيق: 

  1. التحديث العسكري.
  2. بناء الدولة.
  3. التنمية الاقتصادية.
  4. أهداف  أيديولوجية.
  5. مكافحة التمرد.
  6. الربح. 

مع تنامي الدور الإقليمي لدولة الإمارات في الشرق الأوسط ازدادت الدراسات والأوراق البحثية التي تغطي أنشطة أبوظبي المتنوعة، ومن بين تلك الدراسات ورقة بحثية للبريطاني آتول يتس بعنوان: المغتربون الغربيون في القوات المسلحة الإماراتية (1964–2015) اعتمد فيها على سجلات وزارة الخارجية البريطانية بالأرشيف الوطني  البريطاني، والتي تحتوي أيضا على سجلات وزارة الدفاع ذات الصلة. فضلا عن إجراء مقابلات مع أفراد من المغتربين العسكريين والمدنيين ممن خدموا سابقا أو يخدمون حاليا في الجيش والحكومة الإماراتيين، ومع موظفين حاليين وسابقين من الحكومات الغربية معظمهم من الدبلوماسيين وموظفي الشركات التي تقدم خدماتها للجيش الإماراتي. وفي هذا المقال سأستعرض أبرز ما تناوله جزء من دراسة آتول يتس، وهو الجزء الذي يتناول الفترة من عام 1990 إلى 2015.  
 
 اقتصرت دراسة آتول يتس على تناول المغتربين الغربيين المنخرطين في الجيش الإماراتي من ذوي الأصول الأوروبية (الولايات المتحد،ة وبريطانيا، وفرنسا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكندا، وإيطاليا، وألمانيا، وإسبانيا) حيث شملت:

  • أفراد القوات العسكرية الأجنبية المعارون إلى القوات الإماراتية. ففي حين يظل الموظفون المعارون منقادين للقواعد واللوائح المعمول بها في بلدهم الأصلي، فإن القوات الإماراتية تشرف عليهم، وتدفع مستحقاتهم المالية، كما يعملون تحت إشراف قائد إماراتي أو أجنبي داخل سلسلة القيادة الإماراتية. ويتناول الاتفاق الرسمي بين الفرع ذي الصلة من الحكومة الإماراتية والدولة الموردة موضوع توظيف الموظفين المعارين، ويتضمن التعاقد عادة بندا يتعلق بعدم إرسالهم خارج البلد المضيف دون اتفاق مسبق بين الطرفين. وفي حالة نشوء تعارض في الولاء، يُطلب من الموظف المعار الحصول على مشورة سفيره أو ملحق الدفاع أو موظف معار أقدم منه.

 

  • الموظفون المغتربون الذين تركوا خدمة بلدهم الأم. ومعظمهم من الضباط العسكريين وضباط الصف، فضلا عن الدبلوماسيين، وضباط الاستخبارات والأمن، وخبراء أمن الشركات، والمتخصصين الفنيين المتعاقدين مع الجيش الإماراتي. وعادة ما يتم التعاقد معهم بعقود لمدة سنة إلى ثلاث سنوات مع توافر خيار التجديد السنوي. وغالبا ما يجري التعاقد معهم مباشرة من قبل الجيش، أو عن طريق شركات قوى عاملة مثل شركة (الشمال للحلول)، و(الشركة العالمية للوجستيات الطيران).  

 

دراسة حالة المغتربين بالجيش الإماراتي من 1990 إلى 2015:

مثلت حرب الخليج الثانية نقطة تحول للإمارات، ودشنت أجندة جديدة للتطوير العسكري. فعقب هزيمة الجيش العراقي عام 1991 اكتشف القادة الإماراتيين: مزايا التفوق الجوي، والتكنولوجيا المتقدمة المتصلة بشبكة الإنترنت، وأهمية تكامل القوات، والتخطيط المشترك، وتوحيد المعدات، والقيادة والسيطرة في الوقت الفعلي.
أبرزت دروس الحرب بشكل كبير الحاجة إلى تحديث القوات العسكرية الإماراتية. حيث كانت معظم معداتها قديمة، ويعود بعضها إلى الستينيات، في حين ظهرت مشاكل رئيسية أخرى في القوات شملت الافتقار إلى التكامل بين الخدمات، واعتماد أساليب تدريب قديمة، وانخفاض مستوى القراءة والكتابة بين الضباط والموظفين المجندين. فضلا عن عدم تدرب الطيارين المقاتلين الإماراتيين على التزود بالوقود من الجو.
ومن ثم بدأت الإمارات مشروع تحديث عسكري متطور تحت قيادة رئيس أركانها الجديد آنذاك محمد بن زايد آل نهيان. وشمل ذلك برنامج لإعادة التسلح، وتوطين عناصر الجيش، وزيادة الألوية المدرعة والميكانيكية في أبو ظبي من اثنين إلى أربعة.  وشهد البرنامج انخراط أعداد كبيرة من المغتربين في بناء قدرات الجيش الإماراتي. وكانت أبرز هذه المجموعات من الموظفين البريطانيين المعارين. فخلال ثمانية عشر شهراً من نهاية حرب الخليج الثانية، وصل قرابة 12 من البريطانيين المعارين للعمل في مجموعة من مناصب مستشاري التدريب، كما تزايدت أعداد الموظفين المتعاقدين بشكل مطرد خلال التسعينات وصولا إلى 2011.
وخلال أزمة غزو الكويت أيضا، وصل فريق تدريب تابع للقوات الخاصة البريطانية مؤلف من اثني عشر شخصا في يونيو 1990 لتأهيل مجموعة من القوات الخاصة الإماراتية المشكلة حديثا بقيادة الملازم أول جمعة البواردي. وخلال مهام التدريب، عُرض على العديد من أعضاء الفريق البريطاني مناصب تعاقدية في الجيش الإماراتي، وقد قبل ثلاثة منهم في نهاية المطاف البقاء بعد انتهاء حرب الخليج. وقد صل هؤلاء الثلاثة في أغسطس 1991 بموجب عقود مدتها سنتان، وتمثلت أدوارهم بالمقام الأول في تطوير وتقديم التدريب لمجموعة القوات الخاصة الإماراتية، بالإضافة إلى تحديث التكتيكات وأساليب التدريب. في ذلك الوقت، تضمنت عقيدة القوة الخاصة الإماراتية وحدات مداهمة أكبر تحت قيادة ضباط بدلا من النهج الأكثر حداثة للفرق الصغيرة التي تتسم بروح المبادرة ويقودها ضباط الصف.
 مع مرور الوقت، تم توظيف المزيد من المغتربين لإصلاح نظم التدريب والثقافة التنظيمية، ولاختيار المعدات، وتحديد معايير الكفاءة. ومن أبرزهم العميد آندي بيلار، القائد السابق لمركز تدريب البحرية الملكية البريطانية في ليمبستون، والذي انضم إلى القوات المسلحة الإماراتية في عام 2003.
 أصبح بيلار، الذي تمت ترقيته لاحقا إلى رتبة اللواء، مهندس برنامج ضباط العقود العسكرية في الإمارات. وعلى الرغم من أن محمد بن زايد قد عينه مستشارا لرئيس الأركان، إلا أنه قضى معظم وقته في دوره الثانوي ككبير ضباط العقود العسكرية حيث وضع خطة لتحسين تجنيد وتدريب ضباط الصف. وتمثل أحد العناصر الرئيسية لتحقيق ذلك في اعتماد نهج أنظمة الجيش البريطاني للتدريب، وانخراط عدة مئات من المغتربين في تنفيذ تلك الخطة لمدة عشر سنوات أو أكثر. 
وفي حدود عام 2011، مع  تزايد مخاوف الإمارات من المشروع الإيران في عهد الرئيس أحمدي نجاد (2005-2013)، والعدوى الناشئة عن الربيع العربي، والرغبة أعادت الإمارات هيكلة القوات البرية، والتي تشكل المكون العسكري للقوات المسلحة الإماراتية بحيث تعمل كقوة قتالية مشتركة على غرار الألوية القتالية الأمريكية. وتم التعاقد مع شركة Knowledge-Point (وهي شركة متخصصة في التعليم والتدريب يقع مقرها في أبوظبي، وتخدم حكومة الإمارات العربية المتحدة) لتوفير 125 من ضباط الجيش الأمريكي السابقين لتدريب الجنود الإماراتيين في مهمتهم خلال السنوات الثلاث الأولى من العقد. كما تقلد الجنرال الأسترالي هندرماش قيادة الحرس الرئاسي الإماراتي المؤسس في فبراير 2011. وهندرماش سبق له تولي قيادة “قيادة العمليات الخاصة SOC” الأسترالية من أكتوبر 2004 إلى يناير 2008، ثم قيادة القوات الأسترالية في الشرق الأوسط من مارس 2008 إلى يناير 2009. وقد جلب هندرماش معه للخدمة بالجيش الإماراتي عشرات من الضباط الأستراليين المتقاعدين. وكذلك تولى الجنرال الأمريكي ستيفان توماجان منصب القائد العام لقيادة الطيران المشتركة الإماراتية.
ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمارات اعتمدت على خبرات المغتربين الغربيين في  بناء وتطوير القدرات البشرية لأفراد جيشها، وتحديد معايير شراء المعدات المتقدمة، وتحسين أساليب التدريب والتنظيم العسكري.