الكاتبة/ د. نورة الحفيان
يعتبر الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي إحدى الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الأساسية التي تمتد حمايتها في ظل القانون الدولي والتشريعات الوطنية، وقد شهدت ظاهرتا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي انتشارا كبيرا في السنوات الأخيرة خصوصا في بعض الدول العربية وعلى رأسها مصر، التي شهدت منذ انقلاب 3 يوليو 2013 وإلى الآن ارتفاعا مهولا في نسب حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، والتي أفرزت في نهاية المطاف حالات ونماذج تعرضت للتعذيب والإعدامات والمحاكمات خارج إطار القانون انطلاقا من الاعتقالات التعسفية والاختفاءات القسرية المتكررة، والتي تكون لها خلفية سياسية لأن جميع من تعرضوا لذلك هم من معارضي النظام المصري القائم الذين رفضوا الانقلاب على الشرعية من سياسيين وحقوقيين وصحفيين ومحامين … وغيرهم، والذين لم يكونوا محصورين في تيار واحد بل تعددت التيارات المعارضة بين إسلاميين واشتراكيين وليبراليين ومستقلين ….، وترجع الأسباب الرئيسية لاستشراء الظاهرتين إلى طبيعة نظام السيسي ذي الخلفية العسكرية والذي انتهج لغة القمع لتخويف المواطن المصري بمختلف أطيافه وإحكام قبضته الأمنية عليه، لثنيه عن المطالبة بحقوقه التي نادى بها في ثورة يناير؛ ومن أبرزها الانحلال من الحكم العسكري. ولمزيد من التوضيح حول الموضوع ارتأينا تقسيمه إلى المحاور التالية:
 

أولا: الإطار المفاهيمي لظاهرتي الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي

يعد الاختفاء القسري والاعتقال أحد الانتهاكات الجسيمة التي تمس حرية الأفراد وتنتهك كرامتهم وتهدد سلامتهم، وعلى إثر ذلك تنوعت المحاولات لتوصيف الظاهرتين نتيجة انتشارهما بشكل واسع النطاق:
 

1-مفهوم الاختفاء القسري

يعتبر الاختفاء القسري انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، لأنه يطال مجموعة من الحقوق المشمولة بحماية القانون الدولي، وفي إطار ذلك اهتمت العديد من الاتفاقيات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ومجموعة من الخبراء القانونيين الدوليين بإلقاء الضوء على معنى الاختفاء القسري.
 
 في بادئ الأمر، فقد عرفه الخبراء في مجال القانون الدولي على أنه: “يفيد نوعا من الانتهاك لحقوق الإنسان وبالأخص الحق في الحياة، وهو يستعمل لوصف حالة تتوافر فيها أسباب تدفع إلى الاعتقاد بأن شخصا ما تم اختطافه من قبل أشخاص تابعين للحكومة أو أشخاص يعملون تحت إمرة السلطة أو متحالفين معها، بحيث لا يعرف مصيرهم ومكان تواجدهم نتيجة إنكار السلطات تواجد الفرد لديها في حال اعتقال رسمي قانوني، وما يزيد من جسامة الانتهاك كون الأضرار المترتبة عنه تتجاوز الضحايا لتطال عائلاتهم وأقاربهم ومجتمعاتهم”[1].
 
أما الاتفاقيات الدولية فقد أولت اهتماما كبيرا لتوضيح معنى الاختفاء القسري، وفي إطار ذلك عرف الإعلان العالمي المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 1992 أنه: “إلقاء القبض على أشخاص واحتجازهم أو اختطافهم إجبارا وضد إرادتهم أو تم حرمانهم بأي شكل آخر من حريتهم على أيدي موظفي الدولة على اختلاف مستوياتهم أو على أيدي مجموعة منظمة أو أفراد عاديين يعملون تحت إمرة الحكومة وبدعم منها إما بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ثم رفض الكشف عن مصير الأفراد المعنيين أو عن أماكن تواجدهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم الأمر الذي يجردهم من حقوقهم القانونية”[2]. 
 
وفي نفس السياق عرفت الاتفاقية الأمريكية ضد الاختفاء القسري للأفراد لسنة 1994، الاختفاء القسري على أنه: “فعل يؤدي إلى حرمان الفرد أو مجموعة من الأفراد من حريتهم، بأي شكل، إذا ارتكب من طرف مسؤولي الدولة وموظفيها أو من طرف أشخاص أو مجموعة من الأشخاص يعملون تحت وصاية أو بدعم من الدولة، ويكون ذلك بانعدام المعلومات أو رفض الاعتراف بالإضافة إلى ذلك انعدام المعلومات أو رفض الاعتراف بذلك الحرمان من الحرية، أو رفض إعطاء المعلومات حول مكان ذلك الشخص، وهذا الأمر الذي يعيق لجوء الشخص إلى سبل التظلم القانونية واجبة التطبيق والضمانات الإجرائية”[3].
 
كما اتفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مع تعريف الاتفاقية الأمريكية بحيث جاء مضمونه مشابها لها، بحيث عرف الاختفاء القسري على أنه: “كل إلقاء للقبض على أية أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم أو سكوت عن هذا الفعل، مع رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم ومكان تواجدهم، وذك من أجل حرمانهم من الإجراءات القانونية لفترة زمنية طويلة”[4].
 
ولم يذهب تعريف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص ضد الاختفاء القسري لسنة 2006 بعيدا عن التعريفات السابقة، بحيث وصف الاختفاء القسري على أنه عبارة: “عن اعتقال أو اختطاف أو احتجاز أو اعتقال أو أي شكل من أشكال الحرمان يتم على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد الذين يتصرفون بإذن أو دعم منها أو برضائها، ويعقب ذلك رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرم ذلك الشخص من الحماية القانونية”[5].
 
ومن جانب آخر، حاولت العديد من المنظمات الحقوقية إعطاء تعريف أكثر دقة لظاهرة الاختفاء القسري، بحيث عرفته منظمة العفو الدولية على أنه: “اختفاء شخص أو مجموعة من الأشخاص بشكل فعلي بعيدا عن أسرهم ومجتمعهم، بحيث تم إلقاء القبض عليهم من طرف مسؤولي الدولة أو التابعين لها من الشارع أو من منازلهم، مع إنكار علاقتهم باختفاء هؤلاء الأشخاص، ورفضهم الكشف عن مكان وجودهم، كما تؤكد المنظمة أن الاختفاء القسري يعد جريمة بموجب القانون الدولي”[6]. 
 
 أما منظمة هيومن رايتس مونيتور فقد وصفت الاختفاء القسري على أنه: “حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من الحرية، مع رفض السلطات الاعتراف بمصير الشخص المختفي أو مكان احتجازه، وهذا ما يجعله خارج إطار الحماية القانونية”، وتقول المنظمة في ذات التعريف “على أن الإخفاء عادة ما يكون على أيدي سلطات الدولة ويكون وراءه دوافع سياسية أو استهداف لمعارضين أو صحفيين حقوقيين من أصحاب الرأي والتعبير”[7].
 
وتجتمع التعريفات السالفة الذكر في ثلاثة أمور وهي: أولها الحرمان من الحرية، ثانيها: احتجاز الأشخاص من طرف موظفي الدولة أو المحسوبين عليها، ثالثها: إنكار الدولة وإخفاء مصير الأشخاص المختفين، رابعها: حرمان المختفين من الحماية القانونية”[8].
 

  1. مفهوم الاعتقال التعسفي

يعد الاعتقال التعسفي من الانتهاكات الخطيرة التي تمس الحرية الفردية، بأشكالها المختلفة، ويكتسي هذه الصبغة كلما كان الاعتقال خارج الضوابط القانونية، ويعرف الاعتقال في شكله التعسفي في القانون الدولي على أنه: “سلب حرية الشخص على غير مقتضى القواعد التي يقررها القانون”[9]. وفي إطار ذلك عرفته منظمة العفو الدولية على أنه: “اعتقال أشخاص دون سبب مشروع أو دون إجراء قانوني”[10].
 
في حين أن فريق عمل الأمم المتحدة المعني بالاعتقال التعسفي، عرفه على أنه: “اعتقال يخالف أحكام حقوق الإنسان مع استحالة التذرع بأي أساس قانوني لتبريره، ما ينجم عنه حرمان الشخص المحتجز من عدم ممارسة الحقوق أو الحريات المضمونة بموجب الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان”[11].
 
ويعد الاعتقال التعسفي من مظاهر العنف السياسي، والهدف منه هو ضمان استمرار نظام الحكم، في مقابل ضرب كل القوى والتيارات السياسية المناهضة له والتي تشكل خطرا على وجوده، وفي حالات كثيرة تتم عمليات الاعتقال بمجرد الاشتباه في الشخص، وتمارس خارج إطار القانون، وذلك من باب أخذ الاحترازات الوقائية لحماية النظام[12]. أما عندما يتعلق الأمر بحالات الطوارئ، فإنه يتم القبض والتحفظ على مواطنين دون صدور أحكام قضائية وقد ازدادت عمليات الاعتقال التعسفي في أعقاب أحداث الثورات والاحتجاجات في المنطقة العربية ومنها ما حصل في مصر أعقاب ثورة 25 يناير، وما تلاها من أحداث وصولا إلى انقلاب 3 يوليو الذي أوصل عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم سنة 2014، هذا النظام التي شهدت مصر في ظله وعلى مدى ست سنوات أقوى موجة اعتقالات تعسفية في تاريخ الدولة المصرية، بحيث شملت كل معارضي ورافضي الانقلاب من كل الأطياف من كلا الجنسين ومن مختلف الفئات العمرية.
 

ثانيا: الحماية القانونية الدولية ضد الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي

تنوعت المواثيق الدولية المعنية بحماية الأشخاص من جريمتي الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، بحيث وضحت جميع الضمانات الضرورية والمقررة لحماية الأفراد من الظاهرتين، ومن أبرز الاتفاقيات التي اهتمت بذلك هي:
 

1-الصكوك الدولية الخاصة بحماية الأفراد من الاختفاء القسري

إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

اعتمد الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بموجب قرار الجمعية العامة رقم 133/47، في ديسمبر 1992. وبمقتضى الإعلان، يعتبر أي فعل من أفعال الاختفاء القسري انتهاكا خطيرا وصارخا للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي تكفل للفرد حقوقا جمة منها حقه في الاعتراف بشخصيته القانونية، وحقه في الحرية والأمن على شخصه وحقه في عدم التعرض للتعذيب أو أي ضرب من ضروب المعاملة القاسية اللاإنسانية أو المهينة[13].
 
كما أن هذه الأفعال تشكل تهديدا خطيرا للحق في الحياة. فالدول ملزمة باتخاذ تدابير تشريعية أو إدارية أو قضائية أو غيرها من التدابير الفعالة لمنع أفعال الاختفاء القسري ووضع حد لها، ولا سيما اعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم[14].
 
ويوضح الإعلان أيضا على حق الأشخاص المحرومين من حريتهم الحصول على إنصاف قضائي بشكل سريع وفعال لتحديد أماكن وجودهم ومعرفة حالتهم الصحية، وكذلك حق السلطات الوطنية في الوصول بلا عوائق إلى جميع أماكن الاحتجاز والاحتفاظ بسجلات مركزية بأسماء جميع الأشخاص المحتجزين. كما يقر الإعلان على ضرورة التحقيق الكامل في جميع حالات الاختفاء ومحاكمة مرتكبي هذه الأفعال أمام المحاكم العادية وليس أمام المحاكم الخاصة وبالأخص العسكرية منها، كما يجب أن يتمتع جميع المشاركين في التحقيق في قضايا الاختفاء القسري بالحماية من سوء المعاملة أو المضايقة أو الانتقام، كما حثت الاتفاقية أن تكون الأحكام التشريعية المتعلقة بأفعال الاختفاء القسري جذرية ومتناسبة مع قسوة وخطورة الجريمة، وأن لا يستفيد مرتكبو هذه الأفعال من أي قانون للعفو الخاص أو أية إجراءات مماثلة قد تؤدي إلى إفلاتهم من العقاب. كما يؤكد الإعلان على أن الأشخاص الذين وقعوا ضحايا الاختفاء القسري يجب أن يحصلوا على الجبر ويجب أن يكون لهم الحق في الحصول على التعويض المناسب بما في ذلك الوسائل الكفيلة بإعادة تأهيلهم على أكمل وجه ممكن[15].
 

الاتفاقية الأمريكية ضد الاختفاء القسري

الاتفاقية الأمريكية ضد الاختفاء القسري هي اتفاقية عقدت تحت لواء منظمة الدول الأمريكية في يونيو 1994 ودخلت حيز التنفيذ في مارس 1996، وقد نصت المادة الأولى منها على التزام الدول بعدم ممارسة أو السماح أو التسامح مع الاختفاء القسري حتى في حالات الطوارئ أو حالات رفع الضمانات الفردية، كما تلتزم بمنع حدوث الفعل بل ومتابعة ومعاقبة الأشخاص الذين يرتكبونه أو يحاولون ارتكابه وكذا المشاركين والمتواطئين معهم، كما تلزم الدول بالتعاون فيما بينها من أجل منع حدوث الفعل والمعاقبة والقضاء عليه[16]، كما دعت المادة الثالثة من الاتفاقية على ضرورة تجريم الاختفاء القسري في القوانين الداخلية مع الأخذ بعين الاعتبار خطورة الجريمة عند معاقبة مرتكبيها، كما اعتبرت الممارسة الممنهجة للاختفاء القسري على أنها جريمة ضد الإنسانية وهي ذات اختصاص دولي وهو ما يعني أنه يحق لأي دولة متابعة ومعاقبة مرتكبيها بغض النظر عن جنسياتهم أو المكان الذي ارتكبت فيه جريمة الاختفاء القسري[17].
 

الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في ديسمبر 2006، وتعد هذه الاتفاقية ملزمة قانونيا وأشمل وأوسع من الإعلان العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وذلك بسبب استحداثها مجموعة من المعايير. وتتكون الاتفاقية من 45 مادة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، تتمحور الفكرة الرئيسية للجزء الأول حول التزامات الدول الأطراف بمنع جريمة الاختفاء القسري ومحاسبة مرتكبيها، وأيضا أن يكون للجريمة نصيب مهم من القانون الجنائي لهذه الدول. أما في جرئها الثاني فقد نصت على إنشاء اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، وتكون مؤلفة من عشرة خبراء مشهود لهم بالنـزاهة والكفاءة المعترف بها في مجال حقوق الإنسان، أما أبرز ما جاء به الجزء الثالث والأخير فهو العلاقة بين الاتفاقية والقانون الدولي الإنساني.
 
وأكدت الاتفاقية على أن الاختفاء القسري يشكل جريمة ضد الإنسانية عندما يمارس بصورة منهجية وواسعة النطاق ومن تم يخضع للعقوبات المنصوص عليها في القانون الدولي، كما نصت الاتفاقية إلى ضرورة قيام أطرافها بفرض عقوبات ملائمة تتناسب مع خطورة وجسامة جريمة الاختفاء القسري[18].
 

النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

اعتمد ميثاق روما سنة 1998 ودخل حيز التنفيذ سنة 2002، وبموجبه ثم إنشاء محكمة دولية جنائية دائمة، والتي ينص اختصاصها الموضوعي على أشد الجرائم خطورة على السلم والأمن الدوليين، ومن ضمنها الجرائم ضد الإنسانية والتي تتفرع عنها جريمة الاختفاء القسري، والذي نص ميثاق روما صراحة على هذه الجريمة في محتويات المادة السابعة واعتبرها جريمة ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم لأنها ترتكب بشكل واسع ومنهجي ضد فئة من المدنيين[19] .
 

2-المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الأفراد من الاعتقال التعسفي

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم في ديسمبر 1948 من أهم الصكوك الدولية التي تتناول حقوق الأفراد المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الحقوق التي لا يقبل انتهاكها أو التعدي عليها، ومن ذلك فيعتبر هذا الميثاق بطابعه العالمي الشمولي الضامن الأساسي لحقوق الشعوب.
 
وفي خضم ذلك نص الإعلان بكل وضوح في مادته الثالثة على أن الاعتقال التعسفي يعتبر من الانتهاكات الماسة بالحرية، بحيث تم ربطه بمبدأ حق الفرد في الحرية وفي الأمان الشخصي. ومن ذلك فإنه يسعى إلى ضمان ممارسة الأفراد لحرياتهم وعدم حرمانهم منها أو توقيفهم أو اعتقالهم بشكل تعسفي[20]، كما نصت المادة التاسعة أيضا على أنه لا يحوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفيا[21].
 
في حين ذهبت المادة السابعة بالقول؛ إن كل الناس متساوون أمام القانون، وبالتالي فإن ذلك يضمن لهم الحق في التمتع بحماية القانون دون أي تمييز، كما تضمن المادة العاشرة لكل إنسان حق التقاضي أمام هيئات قضائية مستقلة ومحايدة وذلك من أجل إنصافه وتحقيق منطق العدالة. كما تؤكد نفس المادة أن هذه العدالة يجب أن تتوفر فيها الشروط والضمانات اللازمة من أجل الدفاع عن نفسه[22].
 

البروتوكول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

اعتمد البروتوكول الإضافي الأول الملحق بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200، بتاريخ ديسمبر 1966، ودخل حيز التنفيذ سنة 1976. ويعتبر هذا البروتوكول من أهم المواثيق الدولية التي تضمن الحماية القانونية للأفراد ضد الاعتقال التعسفي، وهو ما تبلور في نص المادة التاسعة التي أكدت أنه يحق للفرد التمتع بالحرية والأمان على نفسه، بحيث لا يجوز توقيفه أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمانه من الحرية إلا بأسباب قانونية وطبقا للإجراءات المقررة وفق القانون. كما توجب نفس المادة على ضرورة إخطار السلطة المكلفة بالاعتقال بإشعار الشخص الذي اعتقلته بالتهم الموجهة له، بحيث يحق لأي شخص تم إيقافه أن يتم إخباره بأسباب اعتقاله. كما يحق للشخص المعتقل أن يقدم للسلطة القضائية سريعا. وأن يرجع إلى المحكمة لكي تفصل في قانونية اعتقاله ويتم الإفراج عنه إذا كان الاعتقال ليس تعسفيا وليس لديه أي أساس قانوني. ومن أجل ذلك فإنه يحق لأي ضحية تم توقيفها واعتقالها بشكل تعسفي الحق في الحصول على التعويض[23].
 

الاتفاقية الأوروبية والأمريكية لحقوق الإنسان

اعتمدت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان من طرف مجلس أوروبا في نوفمبر 1950، وتعتبر هذه الاتفاقية من ضمن الاتفاقيات التي تضمن حقوق وحريات الأفراد الأـساسية، وفي خضم ذلك أكدت في مادتها الخامسة على أنه لا يجوز حرمان أي إنسان من حريته بحيث تعتبر ذلك من حقوقه الأساسية التي تحفظ الأمن لشخصه وعلى إثر ذلك فلا يجوز اعتقال أي شخص إلا إذا توفرت الشروط القانونية لذلك.
 
وقد ذهبت الاتفاقية على نفس منوال الإعلان العالمي والبرتوكول الإضافي الأول الملحق له، بحيث أكدت على ضرورة تقديم من ألقي عليه القبض أمام أنظار القضاء وفي فترة زمنية معقولة، كما أنه من حق الشخص أيضا اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعرفة مدى شرعية احتجازه من عدمه. وفي حالة ثبوت عدم شرعية الاعتقال فيحق للشخص الحصول على التعويض نتيجة الضرر الذي لحق به جراء حجزه تعسفيا[24].
 
أما الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، فقد اعتمدت من طرف منظمة الدول الأمريكية في نوفمبر 1969 ودخلت حيز التنفيذ في يوليو 1978، هذه الاتفاقية التي لم تختلف من حيث المضمون عن سابقتها، بحيث أكدت هي أيضا في مادتها السابعة على أنه لا يجوز إلقاء القبض على شخص وحبسه تعسفيا، كما أكدت في نفس السياق على أحقية الشخص المعتقل التعرف والاطلاع على التهم الموجهة ضده من طرف الجهة المعتقِلة، كما يحق له الالتجاء للقضاء للفصل في موضوع اعتقاله، وأن يفرج عنه إذا تم التأكد على عدم قانونية احتجازه[25].
 

ثالثا: واقع الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي في مصر

تعيش مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013 على وقع انتشار ظاهرتي الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، بحيث منذ ذلك الوقت والسلطات المصرية الأمنية تنتهج أسلوبا قمعيا ممنهجا يتزاوج فيه العنف والقمع مع الترهيب والترويع.
 
وقد تسلسلت أحداث المعاملات اللاإنسانية التي أكدت على انتهاج هذه السلطات لمنهج القوة في التعامل خصوصا مع رافضي الانقلاب، الذين قتلت منهم المئات خلال مجزرتي رابعة والنهضة، كما اعتقلت تعسفيا الآلاف، وأخفت قسريا مجموعة من المعارضين والمسؤولين السابقين وعلى رأسهم الرئيس الراحل محمد مرسي الذي أخفي قسريا لمدة ناهزت ستة أشهر ليظهر بعد ذلك في قاعات المحكمة في إطار سلسلة محاكمات غير شرعية وفي غياب تام لشروط المحاكمة العادلة.
 
وقد توالت بعد ذلك سلسلة تعقب وملاحقة المعارضين المصريين. بحيث تورطت السلطات المصرية بانتهاكات واسعة في ممارسة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ضد سياسيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان وصحفيين ومحامين وحتى ضباط الجيش السابقين وغيرهم، ورغم ما يمثله ذلك من جريمة ضد الإنسانية وانتهاكا صريحا وواضحا لكل المواثيق الدولية الآنفة الذكر، إلا أن ذلك لم يردع سلطات الانقلاب للتراجع عن ممارساتها القمعية، بل على النقيض من ذلك فقد تمادت في جرائمها في ظل صمت دولي متعمد خصوصا من الدول الغربية الداعمة لنظام عبد الفتاح السيسي ونخص بذلك الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.
 
وقد انتهجت سلطات السيسي نهجا انتقاميا ضد كل من يعارض أو ينتقد سياسات النظام، وهذا ما أدى إلى تفاقم أعداد المعتقلين والمخفيين قسريا مع تعرضهم لكل ضروب المعاملات اللاإنسانية من تعذيب جسدي ونفسي.
 
 وفي نفس السياق، تعرضت المنظمات الحقوقية المصرية أو الأجنبية المنتدبة في مصر إلى مضايقات كبيرة تصل إلى حد اعتقال نشطائها، وذلك نتيجة توثيقها لانتهاكات حقوق الإنسان، بحيث قامت هذه المنظمات برصد شكاوى لأعداد كبيرة من حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي. موضحة السلوك الذي تنتهجه الدولة المصرية لقمع الحريات الأساسية وترهيب كل منتقدي ومعارضي النظام. بحيث أنه طيلة الست سنوات من عمر نظام عبد الفتاح السيسي ومجموعة من المواطنين يتعرضون للإخفاء القسري ويتم احتجازهم تعسفيا بدون أي إفادة قانونية مع حرمانهم من الحقوق الأساسية للمتهم كالدفاع عنهم من طرف محامين أو منعهم من التواصل مع أقربائهم.
 
وغالبا ما تتحول جريمة الاختفاء القسري في مصر إلى اعتقال تعسفي تحت التهديد، إذ إن معظم الذين أخفوا قسريا بعد مدة يظهرون على الفضائيات التابعة للنظام بتسجيلات تنسب لهم على أنهم ارتكبوا أفعالا إجرامية أو تورطوا في التخطيط أو التنفيذ لعمليات إرهابية، ويأتي ذلك بعد تعرضهم لتعذيب ممنهج ومتنوع الأساليب من أجل انتزاع اعترافات وهمية بأفعال لم يرتكبوها بحكاية بوليسية يتم صياغتها في دواليب جهاز الأمن الوطني وبتوصيات وأوامر من رؤوس المخابرات العامة.
 
وتظهر فبركة هذه الاعترافات في قضايا عديدة ومن أبرزها قضية النائب العام المصري هشام بركات التي تضاربت الروايات في قضية اغتياله، بحيث تم تلفيق تهمة الاغتيال لمجموعات متنوعة من الشباب وعلى فترات ممتدة من 2015 وإلى حدود إعدام نسبة كبيرة ممن حكمت عليهم المحكمة، ويعد أغلبيتهم من طلبة الكليات وأصحاب مهن متميزة، وقد تمت الإعدامات في هذه القضية خارج إطار القانون وفي غياب تام لشروط العدالة القضائية. وقد أظهر هذا الأمر تواطؤ نظام عبد الفتاح السيسي وهياكله الأمنية والعسكرية المخابراتية مع السلطة القضائية التي تعتبر المنصة التي ينفذ فيها النظام مؤامراته باعتبارها مقصلة للمواطن المصري.
 
ومن ناحية أخرى، فلم تسلم سيدات وفتيات مصر من الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي بحيث تعرضن أيضا لمختلف أنواع التعذيب والمعاملات القاسية، ومن أبرزها التحرش اللفظي والجسدي بالإضافة إلى ظروف التعذيب الأخرى المألوفة في الزنازين المصرية.
 
وبذلك، فقد بات واضحا الانتهاكات التي تمارس على السيدة والفتاة المصرية في عهد السيسي سواء كان ذلك عبر الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري الذي يصنف من ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وتتعرض هذه الفئة إلى عنف ممنهج ومقصود من قبل السلطات الأمنية والمثال على ذلك: علا القرضاوي، عائشة خيرت الشاطر، ماهينور المصري، وأخيرا إسراء عبد الفتاح.
 
إذ إن كل هؤلاء يقبعون داخل أسوار السجون ويعاملون بأقصى الطرق الوحشية، وتظهر هذه الوحشية من خلال حبسهم انفراديا وحرمانهم من العلاج، وهذا ما يدل على انتهاك صارخ لحقوق المرأة المصونة وفق قوانين الدول الداخلية أو الدولية..
 
بل الأبعد من ذلك، فلم يسلم الطفل والقاصر المصري من بطش النظام وممارساته العنيفة، بحيث تعرض عدد كبير من الأطفال إلى الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وقد شهدت مظاهرات 20 سبتمبر أقوى هجمة اعتقالات ضد الأطفال بحيث تجاوز عدد المعتقلين 110 أطفال بينهم أبناء سياسيين ونشطاء كردٍ انتقامي من السلطات. ويشكل المساس بحقوق الطفل انتهاكا خطيرا للقانون والمواثيق الدولية، وبالأخص تلك المتعلقة بحقوق الطفل.
 
كما تعرضت فئة الصحفيين لممارسات قمعية وبالأخص في سنة 2019، بحيث عملت السلطات المصرية على اعتقال عدد كبير منهم خصوصا مع تغطيتهم لمظاهرات 20 سبتمبر، وذلك بسبب نقلهم وقائع وأحداث وتفاصيل المظاهرات على أرض الواقع، وإبان ذلك اعتقلت السلطات 11 صحفيا لا زال 7 منهم قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري ومن أبرزهم الصحفية والناشطة السياسية إسراء عبد الفتاح. ومن خلال ذلك تم تصنيف السجون المصرية على أنها من أكثر السجون حبسا للصحفيين على مستوى العالم بحيث تحتل المرتبة الثالثة عالميا.
 
ومن كل ذلك، فيتعرض المعتقلون في سجون السيسي للقتل الممنهج البطيء جراء الإهمال الطبي وسوء التغذية والمعاملة السيئة وممارسة التعذيب عليهم. إذ أصبحت الوفيات الظاهرة المتفشية في السجون المصرية بالأخص في سنة 2019، والتي اعتبرت سنة الموت بحيث ارتفعت فيها الوفيات بشكل كبير بحيث وصل عددها إلى أكثر من 775 معتقلا، وعلى الرغم من الشكاوى الذي رفعها أهالي الضحايا لمعرفة ملابسات وظروف الوفاة، إلا أن ذلك يبقى بدون جدوى، بحيث إنه لا تفتح أي تحقيقات من قبل الجهات القضائية، والتي تعتبر من المساهمين الرئيسيين في استشراء جرائم حقوق الإنسان في مصر نتيجة تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب بفعل تبعيتها للنظام، وبذلك فتعتبر السلطة القضائية وسيلة تنفيذية لمتطلبات النظام.
 
وفي هذا الإطار أصدرت العديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية المصرية إحصائيات عن حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي التي وقعت منذ انقلاب 3 يوليو 2013 وإلى غاية سنة 2019، وهي كالتالي[26]:
 

  • أكثر 65.000 حالة اعتقال تعسفي ما بين 2013 إلى 2019.
  • 2629 سيدة وفتاة تعرضن للاعتقال التعسفي، متبقي منهن 121 إلى الآن.
  • ما بين 6000 إلى 7000 حالة اختفاء قسري منذ 2013 إلى 2019.
  • 396 سيدة قيد الاختفاء القسري بينهن 16 طفلة.
  • 4000 طفل اعتقلوا تعسفيا وأُخفوا قسريا خلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2019.
  • 250 صحفيا تعرضوا للاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري على فترات متفرقة منذ 2013 وإلى الآن، تبقى منهم حاليا 29 صحفيا.
  • 958 حالة وفاة داخل مراكز الاحتجاز من بينهم 312 سيدة منذ 2013.

رابعا: المواقف الدولية من انتشار جريمتي الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي في مصر

تعددت المواقف الدولية من الاعتداءات المتكررة للسلطات المصرية في حق نشطاء سياسيين وحقوقيين وغيرهم من الفئات المستهدفة، بحيث أجمعت هذه المواقف بالتنديد بالجرائم التي يرتكبها النظام المصري في حق حرية التعبير والرأي، ومن أبرز هذه المواقف مواقف المنظمات الحقوقية وهي:
 

1-مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

منذ 2013 إلى حدود الآن ومجلس حقوق الإنسان في اجتماعاته الدورية يوجه انتقادات متواصلة للنظام المصري، وقد أكدت دول عديدة داخل المجلس تدهور الأوضاع الحقوقية في هذا البلد أبرزها الانتشار الواسع لعمليات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي اللذان يؤديان في نهاية المطاف إلى ارتفاع عدد الضحايا الذين يقتلون خارج إطار القانون، من خلال تعدد وسائل التعذيب القاسية سواء على المستوى النفسي أو الجسدي. ومن أبرز الضحايا الذين تعرضوا لهذه الأساليب التعذيبية القاسية، والذي تحوم تكهنات كثيرة حول وفاته، الرئيس الراحل محمد مرسي، بحيث انتقدت المفوضية السامية للمجلس ملابسات وفاته والإهمال الصحي الذي تعرض له، والذي عدته انتهاكا صارخا لحقوق السجناء، كما انتقد المجلس بناء رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي لأكثر من 20 سجنا لمعارضيه ومنتقديه وذلك لممارسة التعذيب على هؤلاء بطريقة ممنهجة ومتطورة.
 
وقد أوصى مجلس حقوق الإنسان على الدوام وفي جل اجتماعاته السلطات المصرية على إنهاء كل أشكال الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والالتزام بكفالة الحق في حرية التعبير والتجمعات السلمية واتخاذ مجموعة من التدابير لضمان الحق في محاكمات عادلة، بالإضافة إلى إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب في جرائم القتل خارج نطاق القانون وإطلاق جميع المعتقلين أو المختفين قسريا من سياسيين ونشطاء وصحفيين ومحامين وغيرهم.
 

2-موقف هيومن رايتس ووتش

في إطار سلسلة تقارير نشرتها منظمة هيومن رايتس ووتش حول مصر، أكدت المنظمة أن السلطات المصرية ترتكب جرائم ضد الإنسانية بفعل ارتفاع حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي هناك، كما نوهت المنظمة أن قوات الأمن وأجهزة أمن الدولة العليا تستعمل أساليب تعذيبية وممنهجة وواسعة النطاق في حق ضحايا الظاهرتين، وتشمل ذلك الضرب والصعق بالكهرباء، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد اغتصاب النساء اللائي تعرضن للإخفاء أو الاعتقال.
 
وقد اتهمت المنظمة عبد الفتاح السيسي بإعطاء الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لاستخدام كل الأساليب القمعية والتعذيبية في حق معارضيه، إذ أكدت في السياق ذاته أنه منذ انقلاب 3 يوليو وإلى الفترة الحالية تعيش مصر في كنف الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، ولقد أردفت المنظمة في تقاريرها مقابلات مع حالات تعرضن للإخفاء أو الاعتقال من نشطاء وحقوقيين وغيرهم الذين أكدوا استخدام السلطات المصرية لأبشع وسائل التعذيب من أجل الانتقام من مواقفهم.
 
كما أكدت المنظمة على ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة في حق مرتكبي هذه الجرائم بفعل الولاية القضائية العالمية بحيث يحق متابعة هؤلاء في أي بلد لتورطه في هذه الجرائم.
 

3-منظمة العفو الدولية

منذ انقلاب 3 يوليو ومنظمة العفو الدولية تصدر تقارير دورية حول وضعية حقوق الإنسان في مصر، بحيث أكدت تقاريرها على تورط أجهزة الأمن المصرية في عمليات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي لناشطين سياسيين أو حقوقيين أو صحفيين أو غيرهم من المواطنين الذين ينتقدون نظام السيسي أو معارضيه من رافضي الانقلاب. وأكدت المنظمة مرارا على أنه بالإضافة أن النسبة الأكبر من الضحايا هم من مناصري الرئيس الراحل محمد مرسي، إلا أنه بجانب ذلك هناك حالات إخفاء قسري واعتقال تعسفي طالت نشطاء اشتراكيين وعلمانيين وليبراليين أو غيرهم من التيارات السياسية أو مؤسسات المجتمع المدني بالإضافة إلى ضباط ساميين سابقين في الجيش المصري، وحتى الذين ليس لديهم أي انتماء سياسي لم يسلموا من هذه الممارسات الوحشية.
 
كما وصفت المنظمة في معظم تقاريرها أن الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي أصبحت أداة رئيسية لسياسة الدولة في عهد السيسي، بحيث أن المعادلة السائدة في مصر هي أنه من يجرؤ على الانتقاد ومعارضة النظام فهو في داخل دائرة الخطر التي تؤدي في غالب الأحيان إلى الموت.
 
كما انتقدت تقارير المنظمة تواطؤ النيابة العامة المصرية والقضاء المصري مع أجهزة أمن الدولة بحيث يغيب هنا منطق الشفافية في التحقيقات من خلال انتزاع اعترافات تحت التهديد والتعذيب في غياب واضح لشروط وحقوق المحاكمة العادلة، بحيث يشكل انتهاكا صريحا لكل النصوص والمواثيق الدولية.
 

4-موقف الاتحاد الأوروبي

على غرار المنظمات الحقوقية، كان الاتحاد الأوروبي وعلى مدى سنوات ينتقد وضعية حقوق الإنسان في مصر، وقد حذر الاتحاد في مناسبات عديدة من أن موجه الاعتقالات والتوقيفات التعسفية وانتشار ظاهرة الاختفاء القسري في حق نشطاء سياسيين وحقوقيين ومدونين تشكل تطورا مقلقا لتزايد الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان في مصر. كما دعا الاتحاد الأوروبي ودوله سلطات عبد الفتاح السيسي إلى احترام الحقوق والحريات الأساسية.
 
ومن جانب آخر، أدان البرلمان الأوروبي في معظم جلساته الخاصة بمناقشة المسائل الخاصة بحقوق الإنسان في مجموعة من البلدان ومن ضمنها مصر الانتهاكات المتكررة للنظام المصري في مجال حقوق الإنسان، وكان البرلمان الأوروبي قد ناقش في مرات عديدة إشكالية الاعتقالات والتجاوزات خارج إطار القانون في مصر بحيث انتقد عدد الاعتقالات الهائلة التي طالت منتقدي النظام المصري خصوصا في فترة المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدن مصرية في سبتمبر 2019.
 
كما أشار البرلمان الأوروبي مرارا على ضرورة وقف تصدير كافة المعدات الأمنية إلى هذا البلد، لأن ذلك يعتبر عاملا مساعدا لمزيد من القمع والاستخدام المفرط للعنف ضد المتظاهرين، وهذا الأمر تبلور مؤخرا من خلال تصويت البرلمان الأوروبي على قرار يدين الاستخدام المفرط للعنف ضد المتظاهرين الذين خرجوا في احتجاجات ضد حكم عبد الفتاح السيسي في 20 من سبتمبر، كما ندد البرلمان أيضا قتل 3000 شخص من دون محاكمات حقيقية وعادلة منذ وصول السيسي إلى الحكم وسيطرته الكاملة على دواليب السلطة، كما دعا نواب البرلمان السلطات المصرية إلى وضع حد لجميع أعمال العنف والتحريض ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والصحفيين وحتى أساتذة الجامعات والإفراج عن جميع المعتقلين الذين تعرضوا لاعتقالات تعسفية وآخرين أخفوا قسريا في ظروف غامضة، ولم تقف دعوات البرلمان الأوروبي عند هذا الحد بل طالب بمحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات اللاإنسانية مهما كان مركزهم في الدولة.
 

5-موقف المنظمات الحقوقية المصرية

يتوافق موقف منظمات حقوقية مصرية مع المواقف الدولية، بحيث تتابع هذه المنظمات على أرض الواقع الانتشار الواسع لعمليات وحملات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري لعدد من المواطنين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم في كل ربوع المحافظات المصرية، بحيث رصدت على الدوام عمليات القبض والاعتقال والاختفاء خصوصا في المظاهرات الأخيرة لـ 20 سبتمبر التي لم يستثنى منها أحد بحيث طالت الاعتقالات بجانب النشطاء السياسيين والحقوقيين محامين وأساتذة جامعات ومفكرين ومحللين سياسيين.
 
كما أكدت هذه المنظمات على أن الحق في حرية التعبير والتجمهر السلمي من الحقوق الأساسية والمكفولة سواء في القوانين الداخلية أو الدولية، كما طالبت هي أيضا السلطات المصرية على ضرورة احترام القانون والمواثيق الدولية وعدم الاعتداء على المواطنين من خلال استخدام أساليب قمعية عنيفة، قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى الموت الحقيقي، بالإضافة إلى دعوتها إخلاء سبيل جميع المعتقلين تعسفيا وإطلاق جميع المختفين قسريا، ووقف جميع المعاملات الوحشية التي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة إرهاب السلطة.
 

خاتمة:

لقد عاشت مصر طيلة الست سنوات الماضية (2013 ـ 2019) بين مطرقة الاختفاء القسري وسندان الاعتقال التعسفي، وقد أبان هذان النموذجان وبشكل جلي وجه النظام المصري الحقيقي، من خلال فضح سلسلة الجرائم التي ارتكبها في حق المواطن المصري، والذي استعمل فيها كل الوسائل والممارسات اللاإنسانية والتي تراكمت حدتها منذ ذلك الحين وإلى الآن، في ظل صمت دولي يغلب عليه طابع المصلحة واللامبالاة بمجال حقوق الإنسان في إطار معادلة لا مجال لحقوق الإنسان في ظل سياسة المصالح، بالإضافة إلى محدودية دور المنظمات الحقوقية والذي يصل أقصاه إلى حد التنديد والإدانة، في غياب فعلي لاتخاذ التدابير اللازمة والصارمة تجاه النظام المصري من أجل محاسبته عن جرائمه التي تصنف في خانة الجرائم ضد الإنسانية ([27]).

الهامش
[1] – عبد الرزاق روان: تجريم الاختفاء القسري في القانون الدولي، مجلة الكرامة، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، عدد مزدوج 2-3، دجنبر 1998، ص: 19. انظر: في ذلك أيضا: حنان محمد القيسي: الحق في الإنصاف من الاختفاء القسري، المركز العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018، ص: 25-26.
[2] – انظر: ديباجة الإعلان العالمي لحماية الأشخاص ضد الاختفاء القسري لسنة 1992.
[3] – المادة الثانية من الاتفاقية الأمريكية ضد الاختفاء القسري للأفراد لسنة 1994.
[4] -انظر: نص المادة الثانية من ميثاق روما الأساسي لسنة 1998.
[5] – انظر: المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 2006.
[6] – انظر: في ذلك الموقع الرسمي لمنظمة العفو الدولية:  www.amnesty.org
[7] – انظر: في ذلك الموقع الرسمي لمنظمة هيومن رايتس مونيتور: humanrights-monitor.org
[8] – حنان محمد القيسي: الحق في الإنصاف من الاختفاء القسري، مرجع سابق، ص: 27.
[9] – محمد الغازي: المعايير الدولية لمناهضة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مؤلف جماعي، قراءات في المادة الجنائية، دار نشر للمعرفة، الطبعة الأولى 2014، ص: 107.
[10] – متوفر على موقع منظمة العفو الدولية: www.amnesty.org
[11]– أُنشئ الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي سنة 1991 بموجب القرار 1991/42 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان السابقة ومن أبرز مهامه: التحقيق في حالات الحرمان من الحرية المفروض تعسفا؛ التماس وتلقي المعلومات من الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، وتلقي المعلومات من الأفراد المعنيين أو أسرهم أو ممثليهم؛ القيام ببعثات ميدانية لتتبع الحالات على أرض الواقع؛ تقديم تقرير سنوي مفصل لمجلس حقوق الإنسان. انظر: في ذلك تقرير الفريق، الدورة الثانية والعشرون لمجلس حقوق الإنسان، رقم القرار A/HRc/22/44 ورقم الوثيقة G1218933.
كل المعلومات حول اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري ومهامها متوفر ذلك عبر موقع المفوضية السامية لحقوق الإنسان:
https://www.ohchr.org/AR/Issues/Detention/Pages/WGADIndex.aspx
[12]– عبد المطلب عبد المهدي موسى: ظاهرة العنف السياسي في العراق بعد عام 2003: دراسة في الأسباب وسبل المواجهة، دار غيداء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2017، ص: 90-91.
[13] – محمد الغازي: المعايير الدولية لمناهضة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مرجع سابق، ص: 118-119.
[14] – انظر: إلى نص المادتين 3 و17 من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
[15] – انظر: في المواد 9، 10، و16، 19 من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. وأيضا الاطلاع على: محمد الغازي: المعايير الدولية لمناهضة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مرجع سابق، ص: 119.
[16] – انظر: المادة الأولى من الاتفاقية الأمريكية ضد الاختفاء القسري لسنة 1994.
[17] – عبد الرزاق روان: تجريم الاختفاء القسري في القانون الدولي، مجلة الكرامة، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، عدد مزدوج 2-3، دجنبر 1998، ص: 20-21.
[18] – انظر: نص الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لسنة 2006.
[19] – انظر: في ذلك نص المادة 7/ط من اتفاق روما الأساسي لسنة 1998.
[20] – انظر: نص المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.
[21] – انظر: نص المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
[22] – انظر: نص المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
[23] – نص المادة التاسعة من البروتوكول الإضافي الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966.
[24] – انظر: بنود المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لسنة 1950
[25] – انظر: نص المادة السابعة من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1965.
[26] – تم الاعتماد على مجموعة من البيانات والاحصائيات عن حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي منذ الانقلاب سنة 2013 إلى 2019 التي أصدرتها منظمات حقوقية وهي كالتالي:

  • منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان، الموقع الإلكتروني: https://sphngo.org/
  • مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان، الموقع الإلكتروني: http://www.jhrngo.net/
  • منظمة هيومن رايتس مونيتور، الموقع الإلكتروني: http://humanrights-monitor.org/
  • مركز الشهاب لحقوق الإنسان، الموقع الإلكتروني: https://www.elshehab.ngo/
  • المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، الموقع الإلكتروني: https://egypthumanrights.com/
  • منظمة نحن نسجل: https://werecord.org/
  • منظمة كوميتي فور جستس: https://www.cfjustice.org/
  • لجنة حماية الصحفيين: https://cpj.org/ar/