مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز أميركا كقوة مهيمنة ورثت النفوذ البريطاني بالشرق الأوسط. دعمت أميركا انقلاب الضباط الأحرار على النظام الملكي في 23 يوليو 1952. ووصل حجم نفوذها على مجلس قيادة الثورة أن رفض السفير الأميركي بالقاهرة كافري تعيين السنهوري باشا رئيسا للوزراء فأجيب طلبه (1). وقد استخدم الضباط الأحرار ضابط مخابرات سلاح الجو علي صبري كقناة اتصال مع السفارة الأمريكية لسابقة تلقيه دورة استخبارات بأميركا، وتمتعه بعلاقات وطيدة مع بعض المسؤولين الأمريكيين (2).

حل جهاز المخصوص، وزيادة صلاحيات المخابرات الحربية:

رأى النظام العسكري خلال أول عامين من الحكم أن أبرز التهديدات التي  تواجهه تتمثل في أنصار النظام الملكي، والشيوعيين، وضباط الجيش الذين يطالبون بالديموقراطية والعودة للثكنات، وجماعة الإخوان المسلمين. وهو ما ساهم في بلورة تنظيمات وأساليب عمل أجهزة الاستخبارات التي أسسها. ومنذ الإطاحة بالملك فاروق حرص مجلس قيادة الثورة على تفكيك بنية النظام الملكي وأجهزته الأمنية، فألغي القسم المخصوص، واعتقل مديره محمد إبراهيم إمام، وأقال كافة عناصره. وكان الضعف النسبي لأجهزة الأمن في العهد الملكي من الأمور التي سهلت الانقلاب عليه، حيث تشكلت المخابرات الحربية آنذاك من 15 ضابطا فقط، بينما تشكل جهاز الأمن السياسي من 24 ضابطا(3). وهذا الوضع أزعج جمال عبد الناصر الذي خشي أن يحدث ضده انقلاب مضاد، فعهد إلى زكريا محيي الدين بمسئولية المخابرات الحربية التي أشرفت على مسئوليات الأمن السياسي داخليا وخارجيا. 

مع ملاحظة أن بعض عناصر المخابرات الحربية القدامى واظبوا بشكل رسمي على ارسال النشرة اليومية الخاصة بالجيش المصري من حيث عدد الأفراد والتسليح والمعدات إلى الملحق العسكري البريطاني (4)، سعى النظام لإعداد كوادر جديدة مضمونة الولاء، فحاول ايفاد مجموعة من ضباط المخابرات الحربية للتدرب بالاتحاد السوفيتي(5)، ولكنه جوبه برفض موسكو التي كانت تنظر بعين الريبة لعلاقة نظام يوليو بواشنطن، ومن ثم لجأ النظام إلى :

1- الاستعانة بخبرات ضباط الاستخبارات النازيين:

حيث أرسلت القاهرة طلبا إلى رئيس الاستخبارات بألمانيا الغربية رينهارد جيهلين للمساعدة في تدريب عناصر من المخابرات الحربية بواسطة الضباط الألمان، فأوفد جيلهين في عام 1953 مجموعة من الضباط النازيين السابقين شملت أوتو سكورزيني، وفرانز بيونستش، وجواشوم ديوملينج، وأليوس بيرنر، وليوبولد جليم، وأوسكار ديرليوانجر(6). ولم ينف ضابط المخابرات المصري عبدالفتاح أبوالفضل في مذكراته الاستعانة بضباط نازيين لكنه قال أن دورهم اقتصر على تدوين مذكراتهم وخبراتهم للاستفادة بها في وضع المبادئ العامة لتنظيم أسلوب عمل المخابرات المصرية (7).

2-الاستعانة بخبرات مدربين من السي أي إيه:

 وفد إلى القاهرة في عام 1953 طاقم من السي أي إيه لتدريب أربعة من ضباط المخابرات المصريين في دورة استغرقت 8 شهور(8). وعقب انتهاء الدورة عُهد لاثنين من المتدربين المصريين بإعادة تنظيم مدرسة المخابرات المصرية التي عُرفت لاحقا باسم معهد العلوم الاستراتيجية، والذي شمل نشاطه أيضا تدريب ضباط الجيش والمباحث العامة (أمن الدولة)، واالدبلوماسيين (9).

3- ترجمة المراجع والكتب الأجنبية التي تتناول حرفة الاستخبارات وتوزيعها على عناصر المخابرات للاستفادة منها.

تأسيس المباحث العامة عام 1952:

عقب انقلاب يوليو 1952 عهد عبدالناصر إلى الضابط صلاح الدسوقي للعمل كمندوب للجيش في وزارة الداخلية، وقال له لي مطلبان: أولهما: لا أريد سماع أي معلومة تتعلق بالأمن من أحد بعد أن تصبح متداولة، أما الثاني: لا أحب أن يحدث لي مثلما حدث للنقراشي باشا، قاصدا بذلك حادث اغتيال النقراشي داخل مبنى وزارة الداخلية. ومع إندلاع أحداث شغب قُتل فيها 9 أشخاص في مصنع كفر الدوار للنسيج على خلفية قرار إدارة المصنع في 12 أغسطس 1952 نقل عدد من العمال إلى فرع كوم حمادة، خشى النظام الحاكم أن تكون الأحداث بوادر حراك شيوعي مضاد، فسارع لتقديم الموقوفين إلى محاكمة عسكرية قضت بإعدام اثنين من العمال، كما بادر إلى تأسيس جهاز للأمن الداخلي يتبع وزارة الداخلية، فتشكل في 22 أغسطس 1952 جهاز المباحث العامة (أمن الدولة) وفق التسمية المستخدمة في فرنسا للإدارة المماثلة. وتكون الجهاز الجديد من 122 ضابطا من بينهم 6 من ضباط المخصوص بينما اُنتدب الباقون من إدارات مختلفة بوزارة الداخلية (10).

 عمل الجهاز الجديد انطلاقا من المقرات المخصصة للقسم المخصوص في العهد الملكي. وفي سبتمبر من عام 1953 أطاح عبدالناصر برئيس المباحث العامة أحمد النحاس، ونقل بعض ضباطها لجهات شرطية أخرى، وأعاد تعيين ضباط من المخصوص بدلا منهم، وبذلك وُصل الانقطاع التاريخي الذي حدث بين المخصوص والمباحث العامة دون أن تمثل عودة ضباط المخصوص بعد إبعادهم لمدة عام تهديدا لولاء الجهاز الجديد لقيادة الثورة.

 تشعبت أقسام المباحث العامة بما يلبي حاجة النظام العسكري لإحكام قبضته على البلاد، فتكونت من:

  1. مكتب شئون الأجانب.
  2. مكتب مكافحة الصهيونية.
  3. مكتب شئون الطلبة. 
  4. مكتب شئون الصحافة: للتحري عن الصحفيين، وتنفيذ تعليمات الرقابة العسكرية.
  5. مكتب مراقبة المطابع: لملاحظة نشاط دور الطباعة، ومراقبة عمال هذه الدور للتعرف على ميولهم السياسية.
  6. مكتب شئون العمال: لملاحظة النشاط اليساري بين العمال، ونشاط النقابات العمالية، ومراقبة اجتماعاتها.
  7. مكتب المراقبة والتحريات: لمراقبة الخطرين على أمن الدولة وأنصار العهد السابق.
  8. مكتب شئون الأحزاب: لمراقبة نشاط الأحزاب المنحلة.
  9. مكتب مكافحة الشيوعية.
  10. الأرشيف والأعمال الكتابية (11).

وقد اعترف عبدالفتاح أبوالفضل بأنه إثر الحصول على وثائق من أرشيف مكتب مخابرات الجيش البريطاني بمنطقة القناة في عام 1954 تبين وجود عدد كبير من الجواسيس التابعين للإنجليز يعملون بالمباحث العامة، ورئاسة الجيش(12).

تأسيس المخابرات العامة في مارس عام 1954:

مع بروز تحديات خارجية وداخلية تمثلها إسرائيل وشبكاتها العاملة داخل مصر، فضلا عن انخراط النظام الناصري في عمليات سرية بالدول العربية لتغيير الأنظمة أو دعم قوى قومية مناهضة للاستعمار. تأسس جهاز المخابرات العامة في عام 1954 ليختص بوضع السياسة العامة للأمن، وجمع الأخبار وتحليلها، ومكافحة التجسس، فضلا عن الإشراف على تنفيذ الأعمال السرية بالخارج، في حين ظلت المخابرات الحربية تابعة للجيش، وتشرف على جمع المعلومات عن الجيوش المعادية من حيث الأعداد، والتشكيلات العسكرية، والتسليح، وبيانات القادة، فضلا عن الرقابة على أفراد الجيش المصري، ورصد أي توجهات معارضة بين صفوفه. 

 وقد اُعتمد في تشكيل هيكل المخابرات العامة على الأمور التالية:

  1. الاستفادة من الخبرات التي قدمها الضباط الألمان في عام 1953  بخصوص تنظيم عمل المخابرات، ومن الدورة التي قدمها طاقم من وكالة المخابرات المركزية لأربعة من ضباط المخابرات في عام 1953. ومن ثم تأسست المخابرات العامة بشكل يقارب هيكل السي إي إيه (13).
  2. إرسال سبعة ضباط من المباحث العامة إلى مدرسة المخابرات المركزية الأمريكية للحصول على دورة تدريبية مدتها ستة أسابيع في فنون مكافحة الجاسوسية، والمراقبة، وتأمين المنشآت والشخصيات الهامة، وأساليب التحقيق والاستجواب، وطرق جمع الأدلة. وتكونت تلك المجموعة من (عبد الفتاح رياض، أحمد الوتيدي، يسري الجزار، كوثر عبد القادر، محيي خفاجة، أنور نصار، محيي سالم). وعند عودتهم إلى مصر في منتصف عام 1954 رفقة كتب ومراجع وأجهزة فنية شكلت نواة القاعدة العلمية لجهاز المخابرات، تم توزيعهم على جهازي المخابرات العامة والمباحث العامة (14).
  3. انتقاء بعض ضباط المباحث العامة وصف الضباط، والمخبرين من ذوي الكفاءة – وخاصة من سبق لهم العمل في متابعة الأنشطة السياسية للإخوان، والشيوعيين-  وإلحاقهم بالمخابرات العامة مع احتفاظ المخابرات العامة بنسخة طبق الأصل من أرشيف المباحث العامة الذي يرجع إلى عشرات السنين، ويحوي كل كبيرة وصغيرة عن الحياة السياسية في مصر.
  4. إنشاء برج القاهرة بأموال مخصصة من منحة أميركية بلغت 3 مليون دولار، ليحتوي منظومة متطورة للتنصت. وقد أقر عبدالفتاح أبوالفضل بأن حسن التهامي المشرف على مشروع التصنت أبعد من المخابرات في عام 1956 بعد اكتشاف تسجيله مكالمات عبدالناصر ذاته (15). كما استفادت المخابرات في تشكيل قدرتها على إعداد تقدير استخباري يومي يقدم لعبدالناصر من مساعدة رئيس قسم التقديرات الوطنية بالسي آي إيه تشارلز كريمانس(16).  

وقد تشكل جهاز المخابرات العامة حين تأسيسه من 4 أقسام تتولى متابعة شؤون الأجانب، والصهيونية، والشيوعية، والشؤون الداخلية (17). وبحلول عام 1956 دخل جهاز المخابرات العامة طورا جديدا بتولي صلاح نصر منصب نائب رئيس الجهاز قبل أن يتولى لاحقا رئاسة الجهاز في عام 1957، وهو ما ستستعرضه الحلقة القادمة بإذن الله.

المصادر:

  1. خالد محيي الدين، الآن أتكلم، ط 1. (الأهرام، 1992)، ص198.
  2. أوين سيرس، تاريخ جهاز الاستخبارات المصري (1910:2009)، ط1، (روتليدج، 2010)، ص25.
  3. لمزيد من التفصيل عن أوضاع أجهزة الأمن والمخابرات في بداية عهد 23 يوليو انظر: محمد صلاح الزهار، عبد الناصر وزيرا للداخلية، ط1 (القاهرة، 2000)، ص(214-233).
  4. عبدالفتاح أبوالفضل، كنت نائبا لرئيس المخابرات، ط1 (الشروق، 2001)، ص177.
  5. عبدالفتاح أبوالفضل، ص177.
  6. أوين سيرس، ص33.
  7. عبدالفتاح أبوالفضل، ص (177، 178).
  8. المصدر السابق، ص (178، 179).
  9. المصدر السابق، ص (173، 179).
  10. المصدر السابق محمد خيري طلعت، البوليس السياسي في مصر (1937-1952)، رسالة دكتوراه غير منشورة، (آداب عين شمس،1992 )، ص 198.
  11. عبدالوهاب بكر، البوليس المصري (1922-1952)، ط1 (مكتبة مدبولي، 1988)، ص333.
  12. عبدالفتاح أبوالفضل، ص112.
  13. صلاح نصر، (الثورة – المخابرات – النكسة)، ط1 (دار. الخيال ، 1999)، ص58.
  14. محمد صلاح الزهار، نقلا عن شهادة صلاح الدسوقي وأحمد النحاس، ص(214-233).
  15. لمزيد من التفصيل انظر رسالة ضابط المخابرات حسن التهامي إلى جمال عبدالناصر، والمنشورة في الجزء الثاني من (جمال عبدالناصر: الأوراق الخاصة)، ط1،( الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015)، ص (224-231). وكذلك: عبدالفتاح أبوالفضل، ص174.
  16. أوين سيرس، ص34.
  17. أوين سيرس، ص31.