أتاحت الأوضاع الإقليمية المضطربة في أوروبا لهتلر البدء في تنفيذ سياسته التوسعية الهادفة إلى توحيد الشعوب الناطقة بالألمانية وفرض الهيمنة على أرجاء القارة الأوروبية. فالاتحاد السوفيتي كان مشغولا بالتوسع الياباني في الصين، ويخشى من أن يخوض حربا على جبهتين مع اليابان وألمانيا. ولذا رحب بعقد اتفاقية عدم اعتداء وتقاسم نفوذ مع ألمانيا عام 1939، فاتفقا على اقتسام السيطرة على بولندا ودول البلطيق.

أما بريطانيا فقد كانت ترى أن الخطر الاستراتيجي الأبرز يأتي من الاتحاد السوفيتي على الهند، واليابان على المستعمرات البريطانية في آسيا، ومن ثم أرسلت أحد أساطيلها إلى سنغافورة، وسعت إلى تجنب خوض حرب ضد ألمانيا مجددا. بينما وجدت فرنسا نفسها وحيدة أمام ألمانيا إثر تحالف إيطاليا مع ألمانيا عقب غزو الأخيرة للحبشة عام 1936، فضلا عن اندلاع حرب أهلية في إسبانيا، والتي تمثل الفناء الخلفي لفرنسا. بينما كانت أميركا تتبنى آنذاك سياسة الحياد تجاه المشاكل الأوروبية.

في تلك الأجواء رأى هتلر أن الأوضاع ملائمة للشروع في تنفيذ سياسته التوسعية في القارة الأوروبية ، والتي تسعى لضمان ما أطلق عليه (المجال الحيوي) لألمانيا، وتحطيم القيود التي فرضتها معاهدات الصلح التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وتوحيد الناطقين بالألمانية الذين تبعثروا في عدة دول.

كانت النمسا أولى محطات هتلر، حيث فرض تعيين زعيم الحزب النمساوي النازي سايس إنكارت مستشارا للنمسا، ثم أُعلن ضم النمسا إلى ألمانيا عام 1938. ثم طالب هتلر عام 1938 باستعادة إقليم السوديت ذي الأغلبية الألمانية من تشيكوسلوفاكيا التي ضمته بموجب اتفاقية فرساي. ومع توتر الأجواء عقد مؤتمر ميونخ للأمن عام 1938، وأقرت خلاله كلا من فرنسا وبريطانيا بحق ألمانيا في استعادة إقليم السوديت، وهو ما قبلته تشيكوسلوفاكيا. ولكن ما لبث هتلر أن اجتاح تشيكوسلوفاكيا بالكامل في مارس 1939 بذريعة تعرض الألمان فيها لسوء المعاملة. ثم طالب هتلر باستعادة مدينة دانزج من بولندا، فصدر تصريح بريطاني فرنسي يضمن استقلال بولندا، ولكن تجاهل هتلر ذلك التصريح ، وهاجم بولندا في مطلع سبتمبر 1939، فوجهت له بريطانيا وفرنسا إنذارا بسحب قواته من بولندا، وعندما رفض أعلنتا الحرب عليه في 3 سبتمبر 1939. وفي ذات العام اجتاحت قوات الاتحاد السوفيتي دول بحر البلطيق  (ليتوانيا، وإستونيا، ولاتفيا) فضلا عن فنلندا تنفيذا لاتفاق تقاسم النفوذ مع ألمانيا.

ثم في عام 1940 نجحت الجيوش الألمانية في اجتياح الدنمارك، وهولندا وبلجيكا، وفرنسا. واستولى الألمان على باريس في 16 يونيو 1940، ومن ثم سمحوا بتأسيس حكومة فرنسية تحت الاحتلال برئاسة المارشال بيتان، والتي اشتهرت باسم حكومة فيشي، بينما رفض الجنرال ديجول الإقرار بشرعية تلك الحكومة وأعلن عن تأسيس حكومة فرنسا الحرة من خارج فرنسا. ودخلت الحكومتان في نزاع حول السيطرة على المستعمرات الفرنسية. وصارت الجزيرة البريطانية تقف وحدها حجر عثرة أمام التوسع الألماني.

أما إيطاليا فقد استولت على ألبانيا في إبريل 1939، ولكنها تأخرت في إعلان مشاركتها في الحرب إلى أن بدأت تشاهد نجاح ألمانيا في اكتساح عدة دول، ومن ثم أعلنت دخولها الحرب إلى جوار ألمانيا في 29 مايو 1940 بحجة تعرضها لحصار بريطاني يهدف لمنع وصول إمدادات الفحم إلى ألمانيا. وقد غزت إيطاليا اليونان، كما حاولت غزو مصر انطلاقا من ليبيا ضمن مخططها الساعي للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط.

وفي ظل نجاح هتلر في السيطرة على فرنسا، وعدم قدرته على غزو بريطانيا من البحر أو قدرة الأخيرة على مواجهة ألمانيا على الأراضي الأوروبية بمفردها. قرر هتلر معالجة الخطر الرابض على الجبهة الشرقية والاستفادة من موارده الأولية والغذائية، فغزا الاتحاد السوفيتي في 22 يونيو 1941، ونجح في تكبيده قرابة 3 مليون قتيل في غضون أول أربعة شهور من المعارك، ووصلت قواته إلى مشارف موسكو، ولكن نجح الروس عبر انتهاج سياسة الدفاع في العمق في امتصاص الهجوم الألماني، وشن هجوم مضاد لم يتوقف سوى في قلب العاصمة الألمانية برلين في عام 1945 بعد أن اكتسح في طريقه معظم دول أوروبا الشرقية.

أما اليابان فقد كانت تعاني آنذاك من آثر الحظر الأمريكي المفروض على تصدير النفط إليها بسبب غزوها للصين، فضلا عن احتياجها لكميات كبيرة من الفحم والنحاس والمواد الأولية لسد احتياجاتها الصناعية. ومن ثم رأت أن الفرصة سانحة لآخذ زمام المبادرة في ظل انشغال الدول الاستعمارية الأوروبية بصراعاتها. فهاجمت أولا الاسطول الأميركي الرابض في ميناء بيرل هاربور ودمرته في 8 ديسمبر 1941، ثم اجتاحت المستعمرات البريطانية والفرنسية والهولندية والأمريكية في شرق آسيا، ونجحت في السيطرة على هونج كونج وسنغافورة والملايو وغيرها من الدول والجزر.

ولكن سرعان ما ردت أميركا على الهجوم الياباني بإعلان الحرب عليها، ثم على ألمانيا، ونجح الجيشين الأميركي والبريطاني في فتح جبهة أخرى بغرب أوروبا ضد الألمان إثر إنزال نورماندي في عام 1944. وبدخول العملاقين السوفيتي والأميركي الصراع إلى جوار بريطانيا تغيرت مسيرة الحرب. فانسحبت إيطاليا من الحرب عام 1943،وأُعدم موسوليني على يد معارضيه، في حين احتلت قوات الحلفاء روما عام 1944. ثم استسلمت ألمانيا في 7 مايو عام 1945. بينما استسلمت اليابان دون قيد أو شرط في أغسطس 1945 إثر إلقاء أميركا لقنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في ذات الشهر.

انتهت الحرب بفشل المشاريع التوسعية الألمانية والإيطالية والفرنسية، وانزواء النفوذ الفرنسي والبريطاني، وبروز قطبين جديدين هما أميركا والاتحاد السوفيتي. ومن ثم حرص اللاعبان الجديدان على إعادة تشكيل معالم نظام عالمي جديد يتسق مع الواقع الجديد الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية.

المصادر:

  1. (تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين) محمد السيد سليم- ط1. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، 2002.
  2. (نشوء وسقوط القوى العظمى)، بول كينيدي، ط3. الأهلية للنشر والتوزيع، 2007.