هكذا نستمد النور من كتاب ربنا ، ونسلط الضوء على الأمرين القرآنيين (خذوا حذركم) و (انفروا)، وننبه على أن الموازنة بين الأمرين تحتاج إلى حكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا).

 و الموازنة تعني أن الحذر لا يؤدي إلى القعود، و أن النَّفْرة لا تعني التهور.. ذلك أن كلا الأمرين تتعلق بهما حياة الجيوش وحياة الأمم و الشعوب، وبهما تحسم المعارك، و نرجو نصر الله ..

واليوم نشير إلى بعض نماذج الحذر التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت لنا نبراسا، ونؤكد مرة ثانية أن الحذر كان جزءا من العمل و ليس جزءا من القُعود. 

الدعوة السرِّية في مكة :

مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين في مكة بعد نزول الوحي- يقصر دعوته على الأقربين و الأصدقاء ومن يثق بهم- وذلك قبل أن ينطلق و يجهر بدعوته في مكة و يصدع بها في وجوه قريش، و فيها أكابر الكفار و المجرمين، وذلك بعد أن اطمأن إلى وجود قاعدة (معقولة) من أصحابه المؤمنين، و إلى وجود حماية قوية من قبيلته (بني هاشم) ومن عمه أبي طالب.

حدد ابن اسحاق و الواقدي المرحلة السرية بثلاث سنين، و حددها البلاذري بأربع سنين.

و ذكر ابن هشام أن الرسول صلى الله عليه وسلم و أصحابه كانوا إذا أرادوا الصلاة بمكة تفرقوا في شعاب الجبال..

وفي دار الأرقم : كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه في دار عند جبل الصفا.. هي دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وظل وضع هذه الدار سريا حتى إن سيدنا عمر حين أسلم على يدي أخته و زوجها(سعيد بن زيد) ومقرئهم خباب بن الأرتّ.. سأل أين يجد رسول الله حتى يعلن إسلامه، فقيل له في دار الأرقم “و كان إسلام سيدنا عمر بعد 6 سنوات من نزول الوحي” … يعني بقي أمر هذه الدار سريا أكثر من ست سنين.

فلنتدبر هذا و نعقله جيدا.. لأن الله تعالى لم يأمر المؤمنين أن يقدموا أنفسهم للموت طلبا للشهادة دون حساب.. وإلا فمن يبقى ليحمل الدعوة و يبلغها للعالمين.ومن الحذر الواضح جدا.. هو أمر المؤمنين في مكة ألا يحملوا السلاح ردا للعدوان في مكة..

  •  أولا: للحفاظ على حَمَلَةِ الدعوة..
  • ثانيا: ليتعلموا فضيلة ” الصبر الإيجابي” وهو تَعَوُّد النفس على ألا تنطلق تبعا للفطرة التلقائية  برد العدوان أو الثأر للنفس.. و إنما انتظار أمر الله .. و أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و بعدهم حساب أفضل التوقيت و أفضل السبل لتحقيق مقصود الجهاد و مصلحة المسلمين.
  • ثالثا: أن هناك فترة تربية على العقيدة و على الأخلاق و على أحكام الإسلام ضرورية قبل الانطلاق للجهاد .

قال تعالى (ألم تر إلى الذين قيل لهم كُفُّوا أيديكم و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة)..سورة النساء/آية 77.

حديثنا موصول بإذن الله وسوف نتنقل بين الحذر و النفرة .. حتى لا تضيع منا (البوصلة)..

والله ولي التوفيق